أصحاب العظمة التاريخية لا نتصورهم على الحقيقة إلا بواسطة أعمالهم وآثارهم، لا بما قال عنهم المؤرخون والناقدون الذين يقعون في الغالب تحت تأثير ظروف خاصة و مواضعات اجتماعية معينة، فكم تاريخ مصطنع قلب الحقائق و دلس على الواقع ن و كم حمد أو ذم كان مبعثهما الهوى و التعصب، أما عمل الآنيان فلا يعكس - في غير ارتياب واحتمال - الأنفس صاحبه، ثم يعكس في الدرجة الثانية بعض الجوانب لشخصيات من تناولهم ذلك العمل مع شيء قليل من أو كثير من الشك و ضعف الاطمئنان، فلو صح كل ما كتب حول الحوادث و الناس لا نقطع كل جدال، و لفقد النقد لحركته أفسح مجال.
فابن خلدون في المفكرين العباقرة نعرفه أحق المعرفة بواسطة إنتاجه الذي تعرض فيه لتاريخ الأمم القديم و الوسيط و لسائر الحضارات، و عالج فيه كل المعارف التي وصل إليها الإنسان في حينه، نعرفه اكثر مما نعرف من تحدث عنهم، و نطمئن -كذلك- إلى تلك المعرفة أقوى ما نطمئن إلى معرفته بما كتب حوله النقاد و الباحثون.
و المتنبي في الشعراء العمالقة نتصوره و نلمس شخصيته العبقرية خلال شعره الخالد، نصوره تصورا لا يرقي إليه تصورنا لسيف الدولة الذي رضي عنه الشعر حينا كل الرضى ثم رضي عنه حينا آخر عض الرضى، كما لا يرقى إليه تصورنا لكافور الذي رسم له أبو لطيب أولا صورة ملك رحيم، ثم في الأخير ابروه في صورة شيطان رجيم.
لذلك لم يبعد الأستاذ المختار، ولم يعد الحقيقة حين قال كلمته كجواب للسائل المستغرب، فإنتاجه الضخم يشرح لنا شخصيته أكثر مما يشرح مادته وموضوعه، يتراءى من خلاله أديبا و عالما و مؤرخا فوق ما يتراءى لنا من