8 الفكرية، و تأثيره الجلي على نخبة من مفكري المنطقة. و رغم مكانته المتميزة، فإنه لم ينل الاهتمام الكبير لدى الباحثين، إذ لا يعدو ما كتب حوله مجرد معلومات مقتضبة أو إشارات عارضة. و يبدو أن شهرة الحضيكي كثيرا ما ترتبط بمؤلفه المعروف بالطبقات، و هو كتاب في التراجم، جمع بين دفتيه أخبار و كرامات عدد كبير من المتصوفة و العلماء من الرجال و النساء (823 ترجمة) من مختلف الطبقات، اعتمادا على مشاهداته و مروياته و مصادره المكتوبة، رتب كتابه على القرون (10 - 12 ه) حسب التصنيف الأبجدي، مرتكزا على التناول الانتقائي للشخصيات المؤثرة في عصرها و ذات الصلاح فيه.
حظي الكتاب بالتفاتة في بداية هذا القرن، حيث صدرت طبعة تجارية منه من نفقة المرحوم الأحسن البعقيلي، إلا أن ما يعاب على النسخة المطبوعة هو عدم خضوعها للتمحيص، و افتقارها إلى أدنى شروط التحقيق و إخراج النصوص. و في هذا الإطار كان المرحوم الحسن البونعماني ممن تفطن إلى سلبيات النسخة المطبوعة، فدعا إلى ضرورة إخراج الكتاب في صيغة مصححة قائلا: «ثم إنه كان ينبغي ممن طبع تاريخ الحضيكي أن لا يطبعه إلا إذا نقّحه تنقيحا خالصا، و علق عليه في كل مكان يستحق التعليق، إذ بذلك تنمو فائدته (. . .) » 1.
و اعتبارا لقصور النسخة المطبوعة، كثر استنساخ الكتاب و كثر النّسّاخ، إذ لا تخلو خزانة سوسية من نسخة من الكتاب، و كثر تداوله بين المهتمين، مما أدى إلى كثرة التصحيف و عدم الاهتمام بالنسخة الأصلية أو القريبة من عصر المؤلف. و مما زادنا الاقتناع بضرورة تحقيق الكتاب، أهميته في ما يتضمنه من إشارات و تلميحات تاريخية، حينما يتعلق الأمر بتراجم شخصيات يجمع بينها الصلاح و العلم، في مناطق جغرافية مختلفة، عبر فترات زمنية متباعدة. كما يبرز الكتاب درجة استيعاب علماء سوس لمفهوم التاريخ من خلال تسجيل و حفظ أخبار عينات مختارة من رجالات التصوف و الفكر.
و يمكن الالتفات إلى تجربة الحضيكي من خلال ما تعكسه من تصور للفقيه الصوفي، و كيف ينظر إلى الفعل التاريخي، في فترة متميزة بالتقلب و الاضطراب السياسي، باعتباره تعبيرا عن العقلية السائدة في عصره، من زاوية شخصية مشبعة بالطريقة الناصرية في وسط قروي متوغل في جبال الأطلس الصغير.
1)جريدة السعادة، عدد 4623، سنة 1938.