الصفحة 40 من 263

القاعدة المقررة عند أهل السنة في نصوص الغيبيات

القاعدة المقررة عند أهل السنة أنه في نصوص الغيبيات؛ في الصفات أو في ما يكون يوم القيامة, أو في الملائكة, إلى غير ذلك، لا تأويل فيها، فنأخذ بالظاهر.

والظاهر تارة يكون ظاهرا من جهة اللفظ (أي: يظهر من لفظ واحد) .

وتارة يكون ظاهرا من جهة التركيب (أي: يظهر من الكلام؛ من الجملة) .

أو بمعنى آخر؛ الظاهر قسمان:

1/ ظاهر للألفاظ بمفردها، ويسمى (الظاهر الإفرادي) ، أو (الظاهر للمفردات) ، فهذا يُفهم الكلام على ظاهره في اللفظ، ولا يجوز أن يحال اللفظ عن ظاهره إلى شيء آخر.

مثلا يقول هذا كتابي، تفهم معنى الكتاب هو الذي في ذهنك منه، يقول مررت بفلان، تفهم معنى المرور حيث هو كلمة وفلان تتصوره، هذا استعمال للألفاظ وفهم المعنى العام مبني على فهم هذه الألفاظ. ويسمى المعنى الإفرادي للكلام؛ يعني يفهم الكلام بفهم افراده.

2/ الظاهر التركيبي أو (ظاهر الجمل) ، هذا معناه ما يفهم من ظاهر الكلام بمجموعه لا بمفرداته.

أي أن المتكلم يُفهم كلامه بتركيب الكلام؛ بسياق الكلام، وهذا هو الذي يسمى عند الأصوليين بالدلالة الحملية للكلام، هذا في غاية الأهمية للناظر في هذا الباب باب الأسماء والصفات؛ لأن من إدعوا التأويل وأن السلف أوّلوا في باب الأسماء والصفات احتجوا ببعض كلامهم في هذا الأمر، وهم إنما أرادوا دلالة التركيب ومعلوم أن الكلام إذا دل بتركيبه فإنه لا يكون نفيا بما دلت عليه افراده.

وخلاصة القول: أن المقصود من الكلام إفهام المتكلم المخاطَب بما يريد، وقد يُفهم المخاطِبُ المخاطَبَ بمفردات يعني المفرد، وقد يفهمه بمجموع الكلام، فإذا ظهر المراد بمجموع الكلام سمي ذلك ظاهرا تركيبيا، والأول ظاهر أفرادي أو لفظي.

مثال: في قول الله جل وعلا: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الملك/1) ، قد تجد من يفسرها بقوله: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) يعني في قبضته وتحت تصرفه, وهذا التفسير إذا كان مع إثبات صفة اليد لله جل وعلا فهو تفسير سائغ؛ لأن الملك بيده, بمعنى أنه تحت تصرفه، لكن في الآية إثبات صفة اليد.

وفي قول الله جل وعلا: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) (الفتح/10) ، قال ابن كثير [1] وغيره: هذا تشديد في أمر البيعة. هذا فيه إثبات صفة اليد لله جل وعلا، ومعنى الكلام في ظاهره التركيبي مع إثبات صفة اليد أنّ فيه تشديد أمر البيعة.

مثال آخر: قوله جل وعلا: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) (البقرة/115) ، هنا فسر السلف الوجه بالقبلة؛ لأن الوجه من حيث اللفظ يطلق على الجهة، ويطلق على الصفة، وجه بمعنى وِجهة، والوجه وجه الله بمعنى الصفة التي هي الوجه المعروفة، هنا ما حُمل على الصفة مع أنها إضافة وجه الله، إضافة صفة إلى متصف، وذلك لدلالة السياق لدلالة التركيب، وهذا ظاهر لقوله (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) لسياق الآيات في القبلة (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) يعني القبلة؛ ولهذا خرجت هذه الآية من أن تكون من آيات الصفات. [2]

(1) قلت: قال ابن كثير في تفسير الآية: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) أَيْ: هُوَ حَاضِرٌ مَعَهُمْ يَسْمَعُ أَقْوَالَهُمْ وَيَرَى مَكَانَهُمْ، وَيَعْلَمُ ضَمَائِرَهُمْ وَظَوَاهِرَهُمْ، فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال الطبري في جامع البيان عن تأويل آي القرآن: وَفِي قَوْلِهِ: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) (الفتح/10) ، وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ: أَحَدُهُمَا: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ عِنْدَ الْبَيْعَةِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُبَايِعُونَ اللَّهَ بِبَيْعَتِهِمْ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَالْآخَرُ: قُوَّةُ اللَّهِ فَوْقَ قُوَّتِهِمْ فِي نُصْرَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نُصْرَتِهِ عَلَى الْعَدُوِّ.

(2) انظر غير مأمور: شرح الفتوى الحموية الكبرى/ للشيخ صالح آل الشيخ، وللشيخ عبد العزيز الراجحى، بمجلد واحد، الناشر دار ابن الجوزي، مصر - القاهرة، الطبعة الأولى، 1427 هـ - 2007 م، ص 73 و 118 و 344؛ بشرح الشيخ صالح آل الشيخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت