يتضمن ما يدل على الكمال، وذلك لأن النفي عدم، والعدم ليس بشيء فضلًا عن أن يكون كمالًا، ولأن النفي قد يكون لعدم قابلية المحل له فلا يكون كمالًا. [1]
والصفات المنفية لم تذكر غالبا إلا في الأحوال التالية:
الأولى: بيان عموم كماله، كما في قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى/11) ، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الإخلاص/4) .
الثانية: نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون، كما في قوله: (أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ? وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا) (مريم/91 و 92) .
الثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعيّن، كما في قوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) (الأنبياء/21) ، وقوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) (ق/38) . [2]
ضابط النفي في صفات الله تعالى
أن ينفى عن الله تعالى:
أولًا: كل صفة عيب؛ كالعمى والصمم والخرس والنوم والموت ... ونحو ذلك.
ثانيًا: كل نقص في كماله؛ كنقص حياته أو علمه أو قدرته أو عزته أو حكمته ... أو نحو ذلك.
ثالثًا: مماثلة المخلوقين؛ كأن يجعل علمه كعلم المخلوق، أو وجهه كوجه المخلوق، أو استواؤه على عرشه كاستواء المخلوق ... ونحو ذلك.
فمن أدلة انتفاء الأول عنه: قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) (النحل/60) ، فإن ثبوت المثل الأعلى له - وهو الوصف الأعلى - يستلزم انتفاء كل صفة عيب.
ومن أدلة انتفاء الثاني: قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) (قّ/38) .
ومن أدلة انتفاء الثالث: قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى/11) . [3]
منهج أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات
إن منهج أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات مبني على التوقيف، لأنها من الأمور الغيبية التي يجب الوقوف فيها على ما ثبت في الكتاب والسنة.
قال سفيان بن عيينة: (كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل) . [4]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(طريقة سلف الأمة وأئمتها: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل؛ إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، إثبات الصفات، ونفي
(1) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى/ الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى 1421 هـ) ، الناشر الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الثالثة، 1421 هـ/2001 م، ص 23.
(2) نفس المصدر السابق، ص 24.
(3) تقريب التدمرية/ الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى 1421 هـ) ، الناشر دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية - الدمام، الطبعة الأولى، 1419 هـ، ص 85 - 86.
(4) رواه الدارقطني في الصفات 41، وأبو عثمان الصابوني في عقيدة أهل الحديث ص 56، ورواه البيهقي في الأسماء 397، وفي الاعتقاد 118، واللالكائي في السنة 3/ 431، والبغوي في السنة 1/ 171، وقال ابن كثير رحمه الله في التفسير 3/ 488، في تفسير سورة الأعراف عند قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ. الآية 54: (فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًا ليس هذا موضع بسطها وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله تعالى، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ... ثم قال: (فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى ) ) .