الصفحة 4 من 18

ما كادت أوربا تتخلص جزئيًا من سلطان الكنيسة ويكتشف الناس قوة البخار والآلة حتى تحول الناس من الزراعة إلى الصناعة، وهرع أهل الإقطاع إلى التصنيع فامتلكوا المصانع الكبيرة وحازوا الثروات الضخمة واستغلوا العمال استغلالًا فاحشًا وانتشرت المظالم الهائلة وظهرت الطبقات المتفاوتة من رأسماليين جشعين إلى عمال فقراء مظلومين، وكان رؤية هذا الظلم الجديد، ومساندة رجال الدين أو سكوتهم عنه سببًا جديدًا في انتشار الإلحاد والشك في وجود الله، واتهام الدين بمساندة الظلم أو عجزة عن تقديم حل ناجح لمشكلات الإنسان على الأرض وابتدأت العقائد الدينية تنحسر انحسارًا جديدًا عن حياة الناس وابتدأ الناس يعملون أفكارهم في خلق عقائد تستطيع أن تحل مشكلاتهم على الأرض، وتقنع عقولهم وعجزت الكنيسة الأوروبية أيضًا عن تقديم هذا العلاج للناس.

3 -ظهور المذاهب الاقتصادية الالحادية:

كان العامل الثالث الذي ساعد على انتشار موجة الإلحاد هو ظهور المذاهب الاقتصادية الإلحادية وخاصة الشيوعية التي بشر بها كارل ماركس (اليهودي الألماني الذي تنصر والده) فبالرغم من أن هذا المذهب ينطلق من منطلق اقتصادي ويستهدف حسب إعلان المبشرين به معالجة المظالم الرأسمالية الفردية والسيطرة على مجتمع اشتراكي يعمل فيه كل إنسان حسب طاقته ويأخذ حسب حاجته فقط، إلا أن القائمين على هذا المذهب الاقتصادي صبغوه بالصبغة العقائدية وأعطوه أبعادًا أخرى غير اقتصادية فزعموا أن الحياة التي يعيشها الناس حياة مادية فقط وأنه لا يوجد روح ولا بعث ولا إله، ولا حياة أخرى وأن الناس منذ وجدوا لا هم لهم إلا المصالح المادية وزعموا أن ظهور الأديان إنما كان من فعل الأغنياء ليلبسوا على الفقراء ويستغلوهم وأن الأخلاق كالأمانة والعفة والصدق ما هي إلا نتاج خبيث للفكر الديني الذي يريد أن يخدم المصالح الرأسمالية، واعتقد الشيوعيون لذلك أن الأنبياء ما كانوا إلا دجالين أرادوا بنشر أديانهم تخدير الشعوب لتستنيم للظلم والقهر وبهذا أصبح هذا المذهب الاقتصادي بفلسفته التي أطلقها على الأديان موجة جديدة من موجات الإلحاد والزندقة. ولعل هذه الموجة الجديدة التي جاءت بها الشيوعية كانت أعتى موجات الإلحاد جميعًا وذلك أن الشيوعية تبنت الدفاع عن المظلومين والفقراء وهذه قضية عادلة وإنسانية في ذاتها ولذلك تبنى هؤلاء الفقراء والمظلومون وهم أغلبية الناس دائمًا هذه العقيدة الجديدة والدين الجديد لأنه يدافع عن مصالحهم ويتبنى قضاياهم وبالطبع أخذوا هذا الدين بفلسفته العقائدية وليس بفكره الاقتصادي فقط.

وهكذا انتشر الإلحاد سريعًا مع هذا المذهب الاقتصادي الجديد وكان النجاح الهائل الذي لاقته الدعوة الشيوعية بتفجير الثورة البلشفية في روسيا والاستيلاء على الحكم عاملًا كاسحًا في هدم الأديان ونشر الإلحاد وانتقاله ليصبح عقيدة عالمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت