الصفحة 55 من 169

وقال أبو حيان في شرح التسهيل: قد أكثر المصنف من الاستدلال بما وقع في الأحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب، وما رأيت أحدًا من المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة غيره. على أن الواضعين الأولين لعلم النحو المستقرئين للأحكام من لسان العرب كأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر والخليل وسيبويه من أئمة البصريين، والكسائي والفراء وعلي بن المبارك الأحمر وهشام الضرير من أئمة الكوفيين لم يفعلوا ذلك، وتبعهم على ذلك المسلك المتأخرون من الفريقين وغيرهم من نحاة الأقاليم كنحاة بغداد وأهل الأندلس، وقد جرى الكلام في ذلك مع كبار المتأخرين الأذكياء فقالوا: إنما ذكر العلماء ذلك لعدم وثوقهم أن ذلك لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن الكريم في إثبات القواعد الكلية، وإنما كان كذلك لأمرين:

أحدهما - أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى، فتجد قصة واحدة قد جرت في زمانه صلى الله عليه وسلم، لم يقل بتلك الألفاظ جميعها نحو ما روي من قوله:"زوجتكها بما معك من القرآن"،"وملكتكها بما معك من القرآن"،"خذها بما معك من القرآن". وغير ذلك من الألفاظ الواردة، فتعلم يقينًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلفظ بجميع هذه الألفاظ، بل لا يجزم أنه قال بعضها، إذ يحتمل أنه قال لفظًا مرادفًا لهذه الألفاظ، فأتت الرواة بالمرادف، ولم تأت بلفظه، إذ المعنى هو المطلوب، ولا سيما تقادم السماع، وعدم ضبطها بالكتابة، والاتكال على الحفظ، و الضابط منهم من ضبط المعنى، وأما من ضبط اللفظ فبعيد جدًا، لا سيما في الأحاديث الطوال. وقد قال سفيان الثوري: إن قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني إنما هو المعنى. ومن نظر في الحديث أدنى نظر علم العلم اليقين أنهم يروون بالمعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت