ولكن كلمة ظن وكافة مشتقاتها فإنه لا يجوز أن تأتي في حق الله تعالى، ولا بأي حال من الأحوال. وأما الآيات التي وردت فيها كلمة ظن بمعنى علم؛ فإنها لما كان الظن اسمًا لِمَا يحصل عن أمارة فيصبح البحث في الأمارة التي حصل بها الظن، فقد ترتقي بها الأمارة إلى مرتبة اليقين، وأما هي في حد ذاتها فإنها لا تفيد اليقين، وإنما إفادة اليقين أتت من الأمارة التي رفعتها إلى مرتبة اليقين، أي رفعت رجحان هذا الاحتمال حتى قاربت اليقين مثل: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ) (1) (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللَّهِ) (2) ، (إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ) (3) .
وإذا تردد اللفظ الصادر من الشارع بين أمور فيحمل أولا على المعنى الشرعي، لأنه عليه الصلاة والسلام بعث لبيان الشرعيات. فإن تَعَذَّرَ حُمِلَ على الحقيقة العرفية الموجودة في عهده عليه الصلاة والسلام، لأن التكلم بالمعتاد عرفًا أغلب من المراد عند أهل اللغة، فإن تَعَذَّرَ حُمِلَ على الحقيقة لتعينها بحسب الواقع (4) .
فتبقى كلمة ظن لا تفيد إلا مدلولها اللغوي حيث إنها وردت موضوعة لهذا المعنى فقط. وليس هناك في استعمالاتها من نقل أو مجاز كما أنه ليس هناك من اشتراك أو إجمال أو تضاد. فلم تنقل كلمة"ظن"من مدلولها اللغوي الوضعي إلى مدلول شرعي، مثل كلمة صلاة وصيام وحج وزكاة. كما أنهالم تستعمل بالطريقة المجازية، يقول الزمخشري:"وليس الأمر بالتظني أو بالتمني. ورجل ظنين: أي متهم. وفيه ظنة وعنده ظنتي: أي موضع تهمتي. وبئر ظنون: لا يوثق بمائها، ورجل ظنون: لا يوثق بخبره. ودَيْنٌ ظَنون: لا يوثق بسداده" (5) ، إلى غير ذلك من معاجم اللغة وما تحويه من معانٍ لاشتقاق كلمة ظن.
(1) البقرة/ 46
(2) البقرة/ 249
(3) الحاقة/ 20
(4) التمهيد للآسنوي ص 222.
(5) أساس البلاغة للزمخشري ص 404.