فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 49

بايعوني على: أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا ولا تزنوا

8 -عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَاتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ» فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ". [1] "

(1) - الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص: 36) 18 - 16 - [ش أخرجه مسلم في الحدود باب الحدود كفارات لأهلها رقم 1709 (شهد بدرا) حضر غزوة بدر. (النقباء) جمع نقيب وهو عريف القوم وناظرهم والمراد الذين اختارهم الأوس والخزرج نقباء عليهم بطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقرهم على ذلك (ليلة العقبة) الليلة التي بايع فيها - الذين آمنوا من الأوس والخزرج على النصرة وهي بيعة العقبة الثانية وكان ذلك عند جمرة العقبة بمنى والعقبة من الشيء الموضع المرتفع منه. (عصابة) الجماعة من الناس وهم ما بين العشرة إلى الأربعين. (بايعوني) عاهدوني. (بهتان) كذب فظيع يدهش سامعه. (تفترونه) تختلقونه. (بين أيديكم وأرجلكم) من عند أنفسكم. (ولا تعصوا في معروف) لا تخالفوا في أمر لم ينه عنه الشرع. (وفى) ثبت على العهد. (أصاب من ذلم شيئا) وقع في مخالفة مما ذكر. (فعوقب) نفذت عليه عقوبته من حد أو غيره. (ستره الله) لم يصل أمره إلى الفضاء]

يحدثنا عبادة رضي الله عنه"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال وحوله عصابة من أصحابه"أي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في بيعة العقبة الأولى التي تمت بينه وبين نقباء الأنصار وفي السنة الثانية عشرة من البعثة وحوله"عصابة من أصحابه"أي جماعة من الأنصار، وكانوا اثني عشر رجلًا"بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا"أي عاهدوني على التوحيد والخلوص من الشرك، وإفراد الله بالعبادة، مقابل أن تكون لكم الجنة. وأصل المبايعة: المعاهدة بين طرفين على الالتزام بشروط معينة. أما المبايعة على الإِسلام فهي عقد إلهي له طرفان وسلعة وثمن، فالطرفان هما: الله تعالى من جهة، والمؤمنون من جهة أخرى، والثمن هو الأعمال الشرعية المطلوبة، والسلعة هي الجنة.

"ولا تسرقوا"أي ولا ترتكبوا جريمة السرقة، لأن الإِسلام جاء لحماية الأموال"ولا تزنوا"لأن الإِسلام يحمي أعراض الناس وأنسابهم."ولا تقتلوا أولادكم"وإنما خص الأولاد لأنهم كانوا في الغالب يقتلون أولادهم خشية الإملاق."ولا تأتوا يهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم"أي ولا تختلقوا الإشاعات الكاذبة، والتهم الباطلة، التي لا أساس لها من الصحة، مثل القذف بالزنا كذبًا وزورًا، أو ترويج بعض الإشاعات التي تمس الناس في أعراضهم، من الخيانة، والرشوة، والظلم، فإنّ الأولى أن يحمل هذا النهي على عموم الكذب على الناس، وعلى كل تهمة تنقص من قدرهم، وتخدش من كرامتهم."ولا تعصوا في معروف"أي ولا تخالفوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أي عمل يأمركم به أو ينهاكم عنه. أو لا تعصوا ولاة الأمور في أوامرهم ونواهيهم، ما دامت لا تتعارض مع الشريعة الغراء، فإنْ أمروا بمنكر، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق."فمن وفّى منكم فأجره على الله"أي فمن وفّى منكم بهذه المعاهدة، وحافظ عليها، ولم يرتكب معصية، من هذه المعاصي التي نهيتكم عنها، فثوابه محقق وسيجده يوم القيامة عند ربه لا محالة، لأنه لا يخلف الميعاد."ومن أصاب من ذلك شيئًا"أي ومن ارتكب معصية من المعاصي التي تستوجب الحد الشرعي كالزنا والسرقة"فعوقب وبه في الدنيا"أي فنال جزاءه في هذه الحياة، وأقيم عليه الحد في الدنيا"فهو كفارة له"أي فإنّ ذلك الحد يمحو عنه"تلك المعصية"ويسقط عنه عقوبتها في الآخرة، لأن الله أكرم وأرحم من أن يجمع على عبده عقوبتين."وَمَنْ أصَابَ مِنْ ذلِك شيئًا، ثم ستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه"أي من ستره الله في الدنيا، ولم يعاقَبْ على تلك الجريمة، فهو تحت مشيئة الله، وأمره مفوّض إليه، إن شاء غفر له، فأدخله الجنة مع الأولين، وإن شاء عاقبه بالنار على قدر جنايته ثم أدخله الجنة.

ويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنَّ التوحيد أساس الإِيمان وشرط لقبول جميع الأعمال، وهو كذلك في سائر الأديان السماويّة، ولذلك بدأ به في المبايعة فقال:"بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا". ثانيًا: أن هذه البيعة كانت أول ميثاق إسلامي، بل أول ميثاق عالمي لحماية حقوق الإِنسان في دينه وماله ونفسه وعرضه، فهي ميثاق عظيم لحماية جميع الحقوق الإِنسانية.

ثالثًا: أن دين الإِسلام ليس دين عبادة فقط، وإنما هو دين عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاق وغير ذلك من المبادئ والقيم، وهذه المبايعة الإسلامية الخالدة ضَمَّتْ كل هذا. رابعًا: مدى قبح الكذب وخطورته على المجتمع، ولذلك خصه بالذكر دون سائر الأخلاق الذميمة، لأنه يفسد أكثر المعاملات، ولأنه أساس كل رذيلة وخطيئة، وأم الخبائث الأخلاقية: من خيانة وغدر ونفاق، وتدليس وشهادة زور وقذف ونحوها. خامسًا: أن الحد الشرعي كفارة للمحدود لقوله - صلى الله عليه وسلم:"ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له"وهو مذهب الجمهور خلافًا لأبي حنيفة حيثُ يرى أنه لا يسقط عنه عقوبة الآخرة. سادسًا: أن مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار لقوله - صلى الله عليه وسلم:"ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه"أي عاقبه ثم أدخله الجنة. سابعًا: مشروعية المبايعة لولي الأمر إذا توفرت فيه شروط الإمامة، وهي الإِسلام والذكورة والبلوغ والعقل والأهلية للقيام بمصالح المسلمين. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (1/ 97)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت