فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 49

3 -عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:"لَمَّا نَزَلَتْ {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] [1] قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَنَزَلَتْ {لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] " [2] .

(1) - بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ مَنْ هُوَ الحَقِيقُ بِالأَمْنِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ فَقَالَ: الذِينَ أَخْلَصُوا العِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَلَمْ يَخْلِطُوا إِيمَانَهُمْ (يَلْبِسُوا) بِظُلْمٍ، وَلاَ كُفْرٍ، وَلاَ شِرْكٍ بِاللهِ، فَهَؤُلاءِ هُمُ الآمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الخُلُودِ فِي العَذَابِ، وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.

أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 872، بترقيم الشاملة آليا)

(2) - صحيح البخاري (4/ 163) (3428)

وقال محمَّد بن إسماعيل التّيْمي في"شرحه": خلْط الإِيمان بالشرك لا يتصور، فالمراد أنهم لم تحصُل لهم الصفتان كفر متأخر عن إيمان متقدم، أي: لم يرتدوا، ويُحْتمل أن يراد أنهم لم يجمعوا بينهما ظاهرًا وباطنًا، أي: لم ينافِقوا، وهذا أوجه، ولهذا عَقَّبه المؤلف بباب علامات المنافق، وهذا من بديع ترتيبه.

وقوله:"أيُّنا لم يظلِم؟"قال الخطّابي: كان الشرك عند أصحابه أكبر من أن يلقَّب بالظلم، فحملوا الظلم في الآية على ما عداه من المعاصي، فسألوا عن ذلك، فنزلت هذه الآية، قال في"الفتح": الذي يظهر لي: أنهم حملوا الظلم على عمومه الشّرك فما دونه، وهو الذي يقتضيه صنيع المؤلف، وإنما حملوا الظلم على العموم لأن قوله: {بِظُلْمٍ} نكرة في سياق النفي، لكن عمومها هنا بحسب الظاهر. قال المحققون: إن دخل على النكرة في سياق النفي ما يؤكد العموم ويقويه، نحو من في قوله: ما جاءني من رجل، أفاد تنصيص العموم، وإلا فالعموم مستفاد بحسب الظاهر، كما فهمه الصحابة من هذه الآية، وبيّن لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ظاهرها غير مراد، بل هو من العام الذي أُريد به الخاص، فالمراد بالظلم أعلى أنواعه وهو الشرك، وإنما فهم الصحابة حصر الأمْن والاهتداء فيمن لم يلبِس إيمانه بظلم، حتى شقَّ عليهم ذلك، والسياق إنما يقتضي أن مَنْ لم يوجد منه الظلم فهو آمن ومهتد من مفهوم الصفة، أو من الاختصاص المستفاد من تقديم لهم على الأمن، أي: لهم الأمن لا لغيرهم، كما في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] وقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} [المؤمنون: 100] أي: قائلها هو لا غيره، وقوله: {بِظُلْمٍ} التنوين فيه للتعظيم، وقد بين ذلك استدلال الشارع بالآية الثانية، فالتقدير لم يلبِسوا إيمانهم بظلم عظيم، أي: بشرك إذ لا ظلم أعظم منه، وقد وَرَد ذلك صريحًا في قصة الخليل عليه السلام، من طريق حَفْص بن غِياث عن الأعْمش ولفظه، قلنا: يا رسول الله أيُّنا لم يظلم نفسه؟ قال:"ليس كما تقولون، بل لم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك، ألم تسمعوا إلى قول لقمان"فذكر الآية الآتية، واستنبط منه المازريّ جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونازعه القاضي عِياض، فقال: ليس في هذه القصة تكليف عمل، بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر، واعتقاد التصديق لازم لأول وروده، فما هي الحاجة؟ ويمكن أن يقال: المعتقدات أيضًا تحتاج إلى البيان، فلما أجمل الظلم حتى تناول إطلاقه جميع المعاصي، شقَّ عليهم حتى ورد البيان، فما انتفت الحاجة، والحق أن في القصة تأخير البيان عن وقت الخطاب لأنهم حيث احتاجوا إليه لم يتأخر.

وفي المتن من الفوائد العمل على العموم حتى يرد دليل الخصوص، وأن النكرة في سياق النفي تعُم، وأن الخاص يقضي على العام، والمبيّن على المُجمل، وأن اللفظ يُحْمل على خلاف ظاهره لمصلحة دفْع التعارض، وأن درجات الظلم تتفاوت كما ترجم له، وأن المعاصي لا تسمّى شِركًا، وأن من لم يشرك باللهِ شيئًا فله الأمن وهو مهتد، فإن قيل: فالعاصي قد يعذب، فما هو الأمْن والاهتداء الذي حصل له؟ فالجواب: إنه آمن من التخليد في النار، مهتد إلى طريق الجنة. كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري (2/ 160)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت