قد جعل الله سبحانه وتعالى بدء الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويمكن فاتني أن أقول أن محاضرتنا اليوم بعنوان (أفعال تخالف العقيدة) ، وعلى سبيل المقدمة أقول: قد جعل الله بدء الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة عشر سنين أو بضع عشرة سنة يدعو إلى هذه الشهادة خاصة ، وليس الإيمان المفترض على العباد يومئذ سوى هذه الكلمة ، فمن أجاب إليها كان مؤمنا لا يلزمه اسم في الدين غيره ، وليس يجب عليهم زكاة ولا صيام ولا غير ذلك من شرائع الدين ، وإنما كان هذا التخفيف - يعني جعل الإيمان مجرد كلمة - قبل أن تنزل الشرائع ، ونزلت الشرائع تنجيما مفرقة كان ذلك تخفيفا من الله سبحانه وتعالى كما ذلك العلماء أنه رحمة من الله لعباده ورفق بهم ، لأنهم كانوا حديثي عهد بجاهلية وجفائها ، ولو حملهم الفرائض كلها معا، نفرت منه قلوبهم ، وثقلت على أبدانهم ، فجعل هذا الإقرار والقيام على مقتضى الشهادتين بالألسن وحدها ، فضلا عما يقر في القلوب ، هو الإيمان المفترض على الناس يومئذ ، فكانوا على ذلك إقامتهم بمكة كلها ، وبضعة عشر شهرا بالمدينة وبعد الهجرة ، فلما ثاب الناس إلى الإسلام ، وحسنت فيه رغبتهم ، زادهم الله في إيمانهم أن صرف الصلاة إلى الكعبة بعد أن كانت إلى بيت المقدس ، فقال تعالى: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } ، خاطبهم وهم بالمدينة باسم الإيمان الذي ثبت لهم مقدما في كل ما أمرهم به أو نهاهم عنه ، فقال في الأمر: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ } ، وقال في النهي: