كان منهجه قائمًا على اتباع الدليل، وغايته إظهار الحق والانتصار له، دون خوف من أحد ولا مداهنة فيه، فإنه (كان سيفًا مسلولًا على المخالفين، وشجى في حلوق أهل الأهواء المبتدعين، وإمامًا قائمًا ببيان الحق ونصرة الدين) (30) . من قرأ رسائله وتراثه العلمي، أدرك دقة وصف تلميذه الحافظ عمر بن علي البزار (31) لمنهجه لما قال: (إذا نظر المنصف إليه بعين العدل، يراه واقفًا مع الكتاب والسنة، لا يميله عنهما قول أحد كائنًا من كان، ولا يراقب في الأخذ بعلومهما أحدًا، ولا يخاف في ذلك أميرًا ولا سلطانًا ولا سوطًا ولا سيفًا، ولا يرجع عنهما لقول أحد، وهو مستمسك بالعروة الوثقى واليد الطولى، وعامل بقول الله تعالى:(فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا) (النساء: 59) ، وبقوله تعالى: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) (الشورى: 10) ، وما سمعنا أنه اشتهر عن أحد منذ دهر طويل ما اشتهر عنه من كثرة متابعته للكتاب والسنة، والإمعان في تتبع معانيهما، والعمل بمقتضاهما، ولهذا لا يرى في مسألة أقوالًا للعلماء، إلا وقد أفتى بأبلغها موافقة للكتاب والسنة، وتحرى الأخذ بأقومها من جهة المنقول والمعقول) (32) .
توفي رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى، ليلة الاثنين، العشرين من ذي القعدة، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، بقلعة دمشق محبوسًا، بعد مرض أصابه بضعة وعشرين يومًا، فاشتد أسف الناس عليه.. قيل: إن عدد مَن حضر جنازته يزيد على نحو خمسمائة ألف (33) ، وإنه لم يسمع بجنازة حضرها مثل هذا الجمع، إلا جنازة الإمام أحمد (34) رحمه الله.
مفهوم السنة والبدعة عند ابن تيمية