الرَّحم والقرابة والجنسية والدِّين؛ وذلك لأنَّ الإثمَ مُفَرِّقٌ، والخيرَ جامعٌ مُوَحِّدٌ، وما تفرَّقت الجماعات إلا بسيادة الرَّذيلة في جموعها، وعموم الظُّلم لربوعها، ولقد قال- عليه الصلاة والسلام: «لَتَامُرُنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، ولتأخذنَّ على يدي الظالم، ولتأطرنَّه على الحقِّ أَطْرًا [1] ، أو ليضربنَّ اللهُ بقلوب بعضكم على بعض» [2] ؛ وذلك لأنَّ الذي يرتكب المعاصي يعتدي؛ فإذا تمَّ الاعتداءُ تفرَّقت الأمَّة، واضطرب حبلُ الأمور فيها، وصارت من غير روابط تربطها، ولا وحدة تجمعها.
(6) لقد تحدَّثَ العلماء- رحمهم الله تعالى- عن الحكمة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأسهبوا؛ موضِّحين أهميَّةَ هذا المبدأ العظيم، وهنا سأقتصر على كلام نفيس للغزاليِّ وكلام علميٍّ دقيق للشَّيخ الشّنقيطيّ- رحمهما الله تعالى، ولعلَّ في ذلك كفايةً لطالب الحقِّ ومُريد الخير.
يقول الغزاليُّ- رحمه الله: «فإنَّ الأمرَ بالمعروف والنَّهيَ عن المنكر هو القطب الأعظم في الدِّين، وهو المهم الذي بعث الله له النَّبيِّين أجمعين، لو طوي بساطه وأهمل علمُه لتعطَّلت النُّبُوَّةُ واضمحلَّت الدِّيانة، وعمَّت الفترة، وفشت الضَّلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتَّسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التَّناد، وقد كان الذي خفنا أن يكون؛ فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون؛ إذ قد اندرس من هذا القطب عملُه وعلمُه، وانمحق بالكلِّيَّة حقيقتُه ورسمُه، فاستولت على القلوب مداهَنةُ الخلق، وانمحت عنها مراقبةُ الخالق، واسترسل النَّاسُ في متابعة الهوى والشَّهوات استرسالَ البهائم، وعزَّ على بساط الأرض مؤمنٌ صادقٌ لا تأخذه في الله لومةُ لائم؛ فمن سعى في تلافي هذه الفترة وسَدَّ هذه الثلمة إما متكفِّلًا بعلمها، أو متقلِّدًا لتنفيذها، مجدِّدًا لهذه السُّنَّة الدَّائرة ناهضًا بأعبائها، متشمِّرًا في إحيائها، مستبدًّا بقُربَةٍ تتضاءل درجات القُرب دون ذروتها» [3] .
ويقول العلامة الشيخ الشّنقيطيُّ- رحمه الله: «الأمر بالمعروف له ثلاث حكم:
الأولى: إقامة حجَّة الله على خَلْقه؛ كما قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [4] .
الثانية: خروجُ الآمر من عهدة التَّكليف بالأمر بالمعروف؛ كما قال تعالى في صالحي القوم الذين اعتدى بعضُهم في السَّبت: {قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ... } [5] الآية، وقال تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ} [6] ؛ فَدَلَّ على أنَّه لو لم يخرج من العهدة كان ملومًا.
(1) أي: تحملونه حملًا.
(2) أخرجه المقدسي في كتابه «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ص (153) ، دار العاصمة 1417 هـ.
(3) «إحياء علوم الدين» (2/ 306) .
(4) سورة النساء، الآية: 165.
(5) سورة الأعراف، الآية: 164.
(6) سورة الذاريات، الآية: 54.