وهذا التأثير المذكور للجليس على جليسه .. يقره علم الاجتماع المبنى على دقة الملاحظة ودراسة التجارب والوقائع .. وربط ذلك بمميزات الإنسان باعتباره ظاهرة في الوجود .. محكومة بالقوانين كغيرها من ظواهر الحياة .. فالإنسان له ميزتان تحكمان علاقاته الاجتماعية:
الأولى: هي ميله للأنس، وتطبعه به .. ولهذا يعزو أغلب اللغويين اشتقاق اسم «الإنسان» من الأنس .. والأكثر على أن الصحيح في بيت الشعر المشهور هو:
وما سمي الإنسان إلا لأنسه ... ولا القلب إلا أنه يتقلبُ
فالصحيح لأنسه .. وليس لنسيه, وقد تكلم عنه ابن القيم رحمه الله في كتابه «الفوائد» بإطناب.
الثانية: أنه قابل للتغير وصفاته قابلة للتبديل .. باعتباره متميزًا بالقدرة على التفكير ومعناه ربط وفك ما يعقله من الأشياء .. وتفكيره هو ما يؤهله للاقتناع بالسماع والمحاورة والملاحظة واللمس.
وكونه مقتنعًا بفكرة ما في لحظة .. فلأنه يرى الربط بين مكوناتها صحيحًا, فلو اقنع عن طريق الملاحظة .. أو السماع بربط آخر .. أو فك آخر .. لتغيرت في الحال فكرته .. ولتغيرت بتغيرها صفته .. ؟
وهاتان الميزتان: الأنس والتغير .. هما ما يجعلان - الإنسان - أي إنسان، متأثرًا بصاحبه .. إذ هو باتصافه بحب الأنس لا يستغني عن الرفيق، ولكونه مهيأ للاقتناع بالملاحظة والسماع .. لا ينجو من التأثر بمن يرافق.
ومن هذا كله .. كان الصاحب ساحبًا .. أي: مؤثرًا على رفيقه