ليس لأحد سواه فرار، يقول لجبريل: «أما منك فلا، أما من الله، فنعم، حسبي الله ونعم الوكيل» [1] ؛ فقال سبحانه وبحمده: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ}
[الأنبياء: 69] .
وهذا يونس - عليه السلام - يلتقمه الحوت فيصير في ظلمات ثلاث؛ في بطن الحوت ظلمة، وفي البحر ظلمة، وفي الليل ظلمة، ظلمات وأي ظلمات؟ ها هو - عليه السلام - يفر إلى ربه، لا يجد ملجأ سواه، لا يجد من يشكو إليه إلا الله، لا يوجد من ينقذه؛ لا سلاح حدود، ولا أناس ولو كثروا؛ إنه حوت فمن ينقذه منه، ومن ينجيه؟ {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}
[الأنبياء: 87، 88] .
نعم وفر إليه جل جلاله وتقدست أسماؤه فر إليه موسى لما قتل، ورمى الألواح، وفي نسختها هدى.
وفر إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - سيد الأولين والآخرين، فكان يسكن كثيرًا حين يفزع إلى الصلاة، ويفر إلى ربه، وأمر أصحابه أن يفزعوا في الأمور كلها إلى الله.
فر إليه المذنبون فغفر لهم، فر إليه الجاهلون فعلمهم، فر إليه التائبون فقبلهم، فر إليه العباد فقربهم، وفر إليه العلماء، فرفعهم، وفر إليه المرضى فشفاهم، وفر إليه المسجونون ففك سجنهم، وفر إليه
(1) تفسير السمرقندي (2/ 432) .