انخلاع القلب، وتقطعه خوفًا وندمًا، وهذا على قدر عظم الجناية وصغرها، وهذا تأويل ابن عيينة لقول الله تعالى: {لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 110] تقطعها؛ أي بالتوبة إلى الله عز وجل.
إن من موجبات التوبة انكسار خاص بالقلب، هذا الانكسار يحدث للقلب، لا يشبهه شيء، ولا يكون لغير المذنب، هذه الكسرة في القلب لا تحصل بجوع ولا رياضة، ولا حب مجرد؛ وإنما وراء هذا كله انكسار القلب بين يدي الرب، انكسار تام قد أحاط به من جميع جهاته، وجعله بين يدي ربه طريحًا ذليلًا خاشعًا، كحال عبد جان أبق من سيده فأخذ، فأحضر بين يدي سيده، ولم يجد من ينجيه من سطوته، ولم يجد منه بدًا، ولا عنه غنى، ولا منه مهربًا، وعلم أن حياته، وسعادته، وفلاحه، ونجاحه في رضاه عنه، وقد علم إحاطة سيده بتفاصيل جنايته، هذا مع حبه لسيده وشدة حاجته إليه، وعلمه بضعفه وعجزه، وقوة وعز سيده.
وهذه حكاية مشهورة عند أهل العلم - رحمة الله عليهم: ذكروا عن بعض العارفين أنه حصل له شرود وإباق من سيده، فرأى في بعض الطرق بابًا قد فتح، وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده، حتى خرج فأغلقت الباب في وجهه، دخلت الأم وذهب الصبي غير بعيد، ثم وقفت منكرًا، فلما لم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه فرجع مكسور القلب حزينًا، فوجد الباب مرتجًا فتوسده، وضع خده على عتبة الباب ونام، فخرجت أمه، فلما رأته