تعرف خيرًا، ولا شرًا، ولا فضيلة، ولا رذيلة.
لأيهما يجب التحصين: أللصاعقة المنقضة، أم للمكان الذي يخشى أن تنقض عليه؟ لقد أجابت الشريعة الإسلامية: حصنوا المكان. ولكن المدنية أجابت: حصنوا الصاعقة .. !
وكانت المرأتان المصاحبتان لجماعة اللقطاء تتناجيان، فقالت الكبرى منهما: يا حسرتا على هؤلاء الصغار المساكين! إن حياة الأطفال فيما فوق مادة الحياة، أي في سرورهم وأفراحهم -وحياة هؤلاء البائسين فيما هو دون مادة الحياة - أي في وجودهم فقط.
وكبر الأطفال يكون منه إدخالهم في نظام الدنيا، وكبر هؤلاء إخراجهم من «الملجأ» ، وهو كل النظام في دنياهم، ليس بعده إلا التشريد، والفقر، وابتداء القصة المحزنة.
فقالت الصغرى: ولم لا يفرحون كأولاد الناس؟ أليست الطبيعة لهم جميعًا؟ وهل تجمع الشمس أشعتها عن هؤلاء لتضاعفها لأولئك؟
قالت الأخرى: الطبيعة؟ تقولين الطبيعة؟ إنك يا ابنتي عذراء لم تبدأ في حياتك حياة بعد، ولم تجاوبي بقلبك الصغير الذي كان تحت قلبك تسعة أشهر, وإنما أنت مع هؤلاء «موظفة» لا تعرفين منهم إلا جانب النظام وقانون الملجأ.
لقد ولدت يا ابنتي خمسة أطفال، وبالعين البليغة التي أنظر بها إليهم أنظر إلى هؤلاء، فما أراهم إلا منقطعين من صلة القلب الإنساني: يعبس لهم حتى الجو، ويظلم عليهم حتى النور؛ ويبدو الطفل منهم على صغره كأنه يحمل الغم المقبل عليه طول عمره.