يعود كمرحلة الصغر لا يعلم إلا القليل (1) .
والذي يظهر للباحث أن كلمة أرذل العمر أينما وردت في القرآن الكريم ترد للذم، لأنها لا تعني الشيخوخة فحسب بل تعني: أرذل الشيخوخة والتي من خلالها يحتاج المسن إلى الناس، ويضعف جسميا وعقليا.
ومثل هذه الآية أيضا قوله تعالى:"وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ" (2) .
وفي هذه الآية يبين الله تعالى أن المعمر الذي يعيش العمر الطويل إنما يعيشه بأمر الله تعالى، وهو مقدر عنده تعالى، ولا يستطيع أحد أن ينقص من عمر الإنسان شيئا لأن ذلك مكتوب عنده سبحانه (3) .
وقد ورد في بعض الأحاديث ما يدل على أن الله تعالى يزيد في عمر الإنسان إذا عمل بعض الأعمال الصالحة، فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:"من سره أن يبسط له في رزقه أو أن ينسأ له في أثره فليصل رحمه" (4) .
ومعنى ينسأ له في أثره: أي يزاد له في عمره، ومن العلماء من أخذ الزيادة على حقيقتها، ومنهم من قال: بأن الزيادة بمعنى البركة في العمر، والتوفيق والسداد في الحياة.
ولكن كيف يمكن التوفيق بين من قال بأن الزيادة في العمر زيادة حقيقية وبين الآيات الكثيرة، ومنها هذه الآية، التي تبين أن العمر مكتوب ومحدد لا يتغير؟
أجاب أهل العلم عن ذلك: بأن الجهل هنا في علم الملك لا في علم الله تعالى، فهو سبحانه يعلم كل شيء، فيأمر الله تعالى الملك أن يكتب أجل فلان ويحدده بخمسين سنة مثلا، ولكن الرجل في حياته كان يصل رحمه، فلما انتهت الخمسون يأتي الملك ليأخذ روحه فيأمره الله تعالى أن يؤخره أجلا معينا مع علم الله المسبق بما سيجري، سبحانه فهو العليم الذي لا يغيب عنه شيء (5) ، وهذا يوافق قوله تعالى:
ــــــــــــــــــ
(1) الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج 10/ص 141، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط 1، 1421 هـ.
(2) سورة فاطر، آية: 11.
(3) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج 5/ص 278.
(4) رواه البخاري، حديث رقم: 2067، ومسلم، حديث رقم: 2557.
(5) النووي، يحيى بن شرف، شرح صحيح مسلم، ج 16/ص 113، المكتبة التوفيقية، القاهرة، مصر.