فتبسَّم في وجهي وقال: أبيتَ إلا العلم.
فقلت: لا يستعمل أحسن منه.
قال الشافعي: فما بتُّ إلا وجميع ما وعدني به تحت خاتمي، فلما كان في غداة صليت الفجر في جماعة وانصرفت إلى المنزل أنا وهو، وكل واحد منا يده في يد صاحبه، إذ رأيت كراعًا على بابه من مهاري خراسان [1] لو قدمت المصابيح إلى جلودهنَّ لأوقدت، قلت:
-ما رأيت كراعًا أحسن من هذا.
فقال: هو هدية مني إليك يا أبا عبد الله.
فقلت له:
-دع منها دابة.
فقال: أنا أستحي من الله تعالى أن أطأ قرية فيها قبر نبي الله - صلى الله عليه وسلم - بحافر دابة.
فقال الشافعي: فعلمت أن ورع مالك على حاله.
قال: فأقمت عنده ثلاثًا ثم ارتحلت إلى مكة وأنا أشرق بنعم الله وأنعمه والقرب ويزين العلم نحيزتي [2] . فلما وصلت إلى الحرم، خرجت العجوز - رحمها الله تعالى - ونسوة معها فلقيتني وضمتني إلى صدرها، وضمتني عجوز كنتُ آلفها وأسمَّيها خالتي وقالت:
(1) الكراع هنا: جماعة الخيل.
(2) هذا الموضع كان في الأصل في غاية الغموض والتحريف.