فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 26

فقدم إليَّ بغلة بسرج محلي، فلما علوت على ظهرها رأيت نفسي باكيًا، وطاف بي أزقة الكوفة إلى منزل محمد بن الحسن فرأيت أبوابًا واسعة ودهاليز منقوشة بالذهب والفضة، فذكرت ضيق أهل الحجاز وما هم فيه وقلتُ: أهل العراق ينقشون بيوتهم بالذهب والفضة وأهل الحجاز يأكلون القديد ويمصون النَّوى! ثم أقبل علي محمد بن الحسن وأنا في بكائي، فقال لي:

-لا يرعك أبا عبد الله ما رأيت؛ فما هو إلا من قُنيةٍ حلال وبكسب ما يطالبني الله فيه بفرض، وأنا أُخرج زكاتها في كل عام، فأسرُّ بها الصديق وأكبتُ بها العدو.

قال الشافعي - رضي الله عنه: فما بات حتى كساني محمد بن الحسن خلعة بألف درهم بغلية، قال الشيخ أبو القاسم - يعني وازنة: ودخل إلى خزانته فأخرج لي الكتاب الأوسط تأليف أبي حنيفة - رضي الله عنه، فنظرت في أوله وآخره ثم ابتدأت الكتاب في ليلتي أتحفظه، فما أصبحت إلا وقد حفظته، ومحمد بن الحسن لا يعلم بشيء من ذلك، وكان المشهور بالكوفة بالفتوى والمجيب في النوازل؛ فبينما أنا ذات يوم قاعد عن يمينه إذ سُئل عن مسألة أجاب عنها تقليدًا وقال:

هكذا قال أبو حنيفة - رضي الله عنه: «ووهم عليه في الجواب» .

فقلت له: الجواب غير هذا؛ فلولا أن قلت فيه بالتقليد لأحسنت أدب المجالسة؛ ولكنك وهمت، والجواب من قول الرجل في هذه كذا وكذا، وتحتها المسألة الفلانية وفوقها المسألة الفلانية في الكتاب الفلاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت