الصفحة 53 من 63

وما أشدَّ داء هذا الصرع، ولكن لما عمَّت البلية به بحيث لا يرى إلا مصروعا؛ لم يصر مستغربا ولا مستنكرا، بل صار لكثرة المصروعين عين المستنكر المستغرب خلافه.

فإذا أراد الله بعبد خيرا؛ أفاقه من هذه الصرعة، ونظر إلى أبناء الدنيا مصروعين حوله يمينا وشمالا على اختلاف طبقاتهم؛ فمنهم من أطبق به الجنون، ومنهم من يفيق أحيانا قليلة ويعود إلى جنونه، ومنهم من يفيق مرة، ويُجن أخرى؛ فإذا أفاق؛ عَمِل عمل أهل الإفاقة والعقل، ثم يعاوده الصرع فيقع في التخبط.

صرع الأخلاط:

وأما صرع الأخلاط؛ فهو علة تمنع الأعضاء النفسية عن الأفعال والحركة والانتصاب منعا غير تام، وسببه خلط غليظ لزج يسد منافذ بطون الدماغ سدة غير تامة، فيمتنع نفوذ الحس والحركة فيه وفي الأعضاء نفوذا تاما من غير انقطاع بالكلية، وقد تكون لأسباب أخرى كريح غليظ يحتبس في منافذ الروح، لاذعة، فينقبض الدماغ لدفع المؤذي، فيتبعه تشنج في جميع الأعضاء، ولا يمكن أن يبقى الإنسان معه منتصبا، بل يسقط، ويظهر في فِيهِ الزبد غالبا.

وهذه العلة تعد من جملة الأمراض الجادة باعتبار وقت وجوده المؤلم خاصة، وقد تعد من جملة الأمراض المزمنة باعتبار طول مكثها وعُسر بُرثها، لاسيما إن تجاوز في السن خمسا وعشرين سنة، وهذه العلة في دماغه، وخاصة في جوهره؛ فإن صرع هؤلاء يكون لازما. قال أبقراط: إن الصرع يبقى في هؤلاء حتى يموتوا.

إذا عرف هذا؛ فهذه المرأة التي جاء الحديث أنها تصرع وتتكشف يجوز أن يكون صرعها من هذا النوع، فوعدها النبي - صلى الله عليه وسلم - الجنة بصبرها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت