أكللت راحتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
قلنا لا يدل حديث عروة هذا على جواز الدفع من عرفة قبل غروب الشمس لوجوه: منها أن قوله صلى الله عليه وسلم (وقد وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا) يفسره فعله صلى الله عليه وسلم فإنه صلى الله عليه وسلم وقف بالمسلمين نهارًا إلى غروب الشمس، فعلم من هذا أن الوقوف إلى غروب الشمس واجب ونسك من مناسك الحج لمن وافى عرفة نهارًا، وقد قال صلى الله عليه وسلم (خذوا عني مناسككم) ، ومنها أن حديث عروة بن مضرس يدل على أنه وقف بعرفة ليلًا لأنه لو كان قد وقف بها نهارًا مع الجمع العظيم ما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: فهل لي من حج؟ ولما كان عروة وافى عرفة ليلًا صار يتحرى في وقوفه وينتقل من موضع إلى آخر وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ لأنه قد شك في صحة وقوفه من عدمها فأجابه صلى الله عليه وسلم بأنه إذا كان قد وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا في زمن الوقوف قبل الزمن الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فإن حجه تام. وقد أخذ الفقهاء بهذا حيث قالوا من حصل بعرفة في وقت الوقوف ولو لحظة ولو مارًا بها أو نائمًا أو جاهلًا بأنها عرفة صح حجه، واستدلوا لذلك بعموم حديث عروة هذا حديث جاء فيه (وقد أتى عرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا) وبهذا قال الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم. فهذا الحديث لا يدل على جواز الانصراف من عرفة قبل غروب الشمس وإنما يدل على أن حجه صحيح وهذا متفق عليه بين الأئمة إلا مالكًا، وهذا كما لو ترك الإحرام من الميقات فإنه يحرم