ج1ص185
فالكتاب مثار إليه صريحا لا ضمنًا كما في الوجه الأول فوجب أن يطابقه في تذكيره ، وان كان بمعنى المؤنث ، وأمّا أنّ السورة مسماة بالكتاب ، فجاز أن تذكر الإشارة إليها لذلك مع قطع النظر عن الخبر ، فهو وجه آخر توهم بعضهم إنّ قول الزمخشريّ صريحًا إشارة إليه ، كما قال قدس سرّه والإشارة إلى الصفة لا غير والمصنف رحمه الله جوّز أن يشار إليه ، والى ألم فتدبر . قوله: ( والمراد به الكتاب إلخ ) ظاهر . أنه على هذا أعني الوصفية الكتاب هو الموعود وتعريفه للعهد الخارجي وهو مخالف لما في الكشاف فإنه جعله وجهًا مستقلًا فقال: وقيل: معناه ذلك الكتاب الذي وعدوا به ، وقال شراحه: إنه جواب آخر بأنه ليس إشارة إلى ألم بل إلى الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام أو بقوله { سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا } [ المزمل: 5 ] لتقدم نزوله ، لكن قيل:
الأنسب على هذا وعد به ، ولما لم يكن هذا الجواب مختارا أخر . وان اقتضى ترتيب البحث تقديمه بأن يقال ليس ذلك إشارة إلى ألم وان حمل عليه فهو في حكم البعيد لجعل بعد ذكره في العدة بمنزلة بعده نفسه ، وقيل: جعل كالمحسوس بناء على صدق الوعد والموعود إذا حمل على ما في التوراة والإنجيل ، وهو القرآن فلا يصح حينئذ أن يكون ذلك الكتاب خبرا لا لم ، لكونه جزأه لا هو إلا أن يراد بألم القرآن كله أو يجعل موعودًا في ضمن كله ، أو يجعل مبالغة كانت الرجل علمًا ، وإذا حمل على الموعود الآخر صح ، وفيه نظر ، لأنّ الموعود هو النبيّ عليه الصلاة والسلام لا الأنبياء السابقون ، وإنما هم مبشرون أو واعدون لتبليغهم الوعد فالجمع على كل حال للنبيّ عليه الصلاة والسلام وأمّته ثم إنّ كلام المصنف رحمه الله مخالف للكشاف ، لأنه جعل الوعد توجيهًا للبعد والمصنف رحمه الله جعله توجيها للتذكير ، ولم يخصه بالوصفية والمصنف خصه ، ولا يخفى أنّ مسلك العلامة أظهر ، فلا وجه للعدول عنه . قوله: ( وهو مصدر إلخ ) فهو كالخطاب سمي به المكتوب كالضرب بمعنى المضروب جعل لكمال تعلقه به كأنه عينه للمبالغة قال الراغب: الكتب ضم أديم إلى أديم بالخياطة يقال: كتبت السقاء وفي المتعارف ضم الحروف بعضها إلى بعض ، والأصل في الكتابة النظم بالخط ، وقد يقال ذلك للمضموم بعضه إلى بعض باللفظ لكن قد يستعار كل واحد للآخر ، ولذا سمي كتاب الله وإن لم يكن كتابا والكتاب في الأصل مصدر ثم سمي المكتوب كتابًا ، والمكتوب فيه كالكتاب في الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب فيها اهـ ، وهو مأخذ المصنف رحمه الله وحاصله أنّ أصل حقيقته في اللغة مطلق الضم ، ثم خصى بفرد منه وهو ضم الحروف بعضها إلى بعض في الخط ، وصار حقيقة فيه لغة أيضًا ، ثم شاع في عرف اللغة إطلاقه على الخط والصحيفة المكتوب فيها ، فلا يسمى قبل الكتابة كتابا وليس هذا مجازًا من إطلاق الحال على المحل فمن نقل عن الراغب ما اعتوض به على المصنف رحمه الله لم يصب . قوله: ( وقيل فعال بمعنى المفعول إلخ ) هو على هذا التقدير وما قبله بمعنى المكتوب خطا إلا أنه على الأوّل مجاز وعلى هذا حقيقة ، ثم عبر به عن المنظوم عبارة قبل أن تنضم حروفه التي يتألف منها في الخط تسمية له بما يؤول إليه مع المناسبة ، والانضمام الاجتماع لانضمام الحروف لفظا أو خطًا ، ولا وجه لما قيل من أنه فيهما مجاز غير أنّ التجوّز في الأوّل في الإسناد وفي الثاني في تفسير الكلمة . وقوله: ( وأصل الكتب الجمع ) بيان للعلاقة بين الكتاب والعبارة في ضمن بيان ما وضع له أو لا ، والأصل له معان في اللغة فيكون بمعنى ما يبني عليه غيره ، وبمعنى المحتاج إليه كما في المحصول ، وبمعنى ما يستند تحقق الشيء إليه كما في المنتهى ، وما منه الشيء ومنشؤه ، والمراد هنا الأخير وله في الاصطلاح أيضا معان الدليل والراجح والقاعدة الكلية والصورة المقيس عليها وقوله ومنه الكتيبة هي الجيش ، أو جماعة الخيل المغيرة من مائة لألف ، وفصله بقوله منه على عادة أهل اللغة في بيان ما يؤخذ من الأصل لمناسبة معنوية وان لم تكن ظاهرة .
واعلم أنه على خبرية الكتاب معناه أنّ ذلك هو الكتاب الكامل كأن ما عداه من الكتب
في مقابلته ناقص وهو المستأهل لأن يسمى كتابًا كقوله:
هم القوم كل القوم يا أمّ خالد
لإفادة هذا التركيب الحصر لأنه لا عهد فلامه جنسية ووصف بالكامل تنبيها على أنّ المقصود من حصر الجنس حصر الكمال ، وإلا لم يصح إلى آخر ما فصل في الكشاف وشروحه