فعندئذٍ قال ابن عباس هذا الكلام، فإذا كان هذا قول ابن عباس - رضي الله عنه - فيمن عارض الحديث برأي الخليفتين الراشدين، فكيف بمن ترك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقول من هو دونهم، بل لا يذكر معهما وربما كان على غير هديهما.
الرابعة: قال الإمام الشافعي - رحمه الله: «أجمع المسلمون على أن مَنْ استبانت له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له أن يدعها لقول أحد، وما زال العلماء يجتهدون في الوقائع لكن إذا استبان لهم الدليل أخذوا به وتركوا اجتهادهم» .
الخامسة: بعد أن اعتنى الأئمة بالتصنيف ودونوا الأحاديث بأسانيدها وميزوا صحيحها من سقيمها وناسخها من منسوخها وذكروا حجج المجتهدين فصار طالب العلم له حالان:
الأولى: إن كان له ملكة يقتدر بها على تحري الحق فلينظر في مذاهب العلماء وما استدل به كل إمام ويأخذ من أقوالهم ما دل عليه الدليل عملًا بقول الله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] .
الثانية: إذا لم يكن له ملكة فعليه أن يسأل من أهل العلم من المجتهدين أقرب إلى الحق عملًا بقوله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل:43] .
السادسة: في كلام ابن عباس دلالة على أن من بلغة الدليل وجب عليه أن يأخذ به، فإذا لم يأخذ به تقليدًا لإمامه فإنه يجب الإنكار عليه بالتغليظ لمخالفة الدليل، وأجمع الأئمة على هذا، وأنه لا يسوغ التقليد إلا في مسائل الاجتهاد التي قد يخفى دليلها، فهذا الذي عناه العلماء بقوله: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وأما من خالف الكتاب والسنة فيجب الرد عليه بالإجماع، وليس ما خالف الكتاب والسنة مذهبًا لأحد من الأئمة وهم أجل من أن يقال ذلك في حقهم لتصريحهم بذلك ونهيهم عن تقليدهم إذا استبانت السنة.