الثاني: قولكم في تعليل ما ذهبتم إليه من إلحاق المعتدة المبتوتة بالمعتدة من الوفاة بأنه لإظهار التأسف على فوات نعمة النكاح هو قياس مع الفارق. فهل يستوي عقلًا من بقي مع زوجه إلى أن فرّق بينهما الموت ومن فارق زوجه في الحياة بطوعه واختياره ؟ الجواب أنهما لا يستويان وهذا مستقر عند أهل العلم والعقل . قال ابن مفلح رحمه الله: (( فأما البائن فغنه فارقها باختياره وقطع نكاحها فلا معنى لتكلفها الحزن عليه(1) ، وقال الباجي رحمه الله: (( وهو أن المتوفى فارق زوجه وهو على نهاية الإشفاق عليها والرغبة فيها ولم تكن المفارقة من قبله فلزمها لذلك الإحداد وإظهار الحزن والمطلقة فارقها مختارًا لفراقها متابعًا لها فلا يتعلق بها حكم الإحداد كالملاعنة(2) . ثم إن الإحداد على فوات الزوج لا مجرد فوات الزوجية (3) لأنه يمكن خصولها أما الزوج فلا بعد موته .
الثالث: قولكم: اتفاق المعتدة من طلاق مع المعتدة من وفاة في المعنى حيث إنهما اتفقا في المنع من النكاح مدتهما فمنعت دواعية في كلتا المدتين سدًا للذريعة ومنعًا للاستعجال، فالجواب عليه أنه: ليس المقصود من الإحداد على الزوج الميت مجرد ما ذكرتم من طلب الاستعجال فإن العدة فيه لم تكن لمجرد العلم ببراءة الرحم، ولهذا تجب قبل الدخول وإنما هو من تعظيم العقد وإظهار خطره وشرفه وأنه عند الله بمكان فجعلت العدة تحريمًا له وجعل الإحداد من تمام هذا المقصود وتأكيده ومزيد الاعتناء (4) .
(1) المبدع 8/140 .
(2) المنتقى 4/145 .
(3) انظر: عارضة الأحوذي 5/172 ، فتح الباري 9/478.
(4) زاد المعاد 5/701 .