واستدل الحنفية ومن وافقهم، بما أخرجه الشيخان وغيرهما مرفوعًا: (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا ووجه استلالهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الإحداد من أحكام من يؤمن بالله واليوم الآخر، قال ابن القيم رحمه الله: (( فلا تدخل الكافرة ) )وقال أيضًا في بيان استدلالهم بالحديث: قالوا وعدوله عن اللفظ العام المطلق ولوازمه وواجباته فكأنه قال: من التزم الإيمان فهذا من شرائعه
وواجباته )) (1) .
وقالوا: إن الكافرة غير مخاطبة بحقوق الشرع، قال البابرتي في شرح العناية على الهداية: أما الكافرة وهي الكتابية فلأنها غير مخاطبة بحقوق الشرع والحداد من حقوقه أشار إلى ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر )) ) (2) .
وأما الجمهور فاستدلوا بعموم الأدلة الموجبة للإحداد وأنها تشمل الذمية ولا دليل على إخراجها من هذه المعلومات، وعللوا قولهم بأنه لا عدة إلا بإحداد، والعدة ثابتة عليهن، فالإحداد ثابت أيضًا، قال الشافعي رحمه الله: والحرة والكبيرة والمسلمة والصغيرة والذمية والأمة المسلمة في الإحداد كلهن سواء، من وجبت عليها عدة الوفاة وجب عليها الإحداد لا يختلفن. ودلت سنة رسول - صلى الله عليه وسلم - على أن المعتدة من الوفاة تكون بإحداد، أن لا تعتد امرأة بغير إحداد لأنهن إن دخلن في المخاطبات بالعدة دخلن في المخاطبات بالإحداد، ولو تركت امرأة الإحداد في عدتها حتى تنقضي أو في بعضها كانت مسيئة، ولم يكن عليها أن تستأنف إحدادًا لأن موضع الإحداد في العدة فإذا مضت أو مضى بعضها لم تعد لما مضى (3) . وقال ابن العربي رحمه الله: (( لأنه - أي الإحداد - من توابع العدة فيلزمها كالسكن وعدم النكاح ) ) (4) .
(1) تقدم تخريجه ص 9 .
(2) زاد المعاد 5/698 .
(3) الأم 5/232 .
(4) عارضة الأحوذي 5/173 .