واليهود يُجاهرون بنكران يوم البعث والعقاب، والنشور، ويذهبون إلى أن عقاب المذنبين والإحسان إلى المحسنين إنما يحصلان في حياتهم وليس بعد مماتهم، ومن أهم أسفارهم التي تكلمت عن الموت دون بعث أو نشور سفر أيوب، يقول سفر أيوب:"هكذا الذي ينزل إلى الهاوية لا يصعد، لا يرجع بعده إلى بيته، ولا يعرف مكانه بعد" [1] ، ويقول:"أما الرجل فيموت يبلى الإنسان، يُسلم الروح فأين هو والإنسان يضطجع ولا يقوم" [2] ، ويقول في موضع آخر:"أليست أيامي قليلة، اترك، كف عني فأتلج قليلًا، قبل أن أذهب ولا أعود إلى أرض الظلمة و ظل الموت، أرض ظلام مثل دُجى الموت وبلا ترتيب، وإشراقها كالدجى" [3] ، ويقول في موضع آخر:"أيامي قد عبرت، مقاصدي إرث قلبي قد انتزعت، يجعلون الليل نهارًا نورًا قريبًا للظلمة، إذا رجوت الهاوية بيتًا لي وفي الظلام مهدت فراشي وقلت للقبر أنت أبي وللدود أنتِ أمي وأخي، فأين إذًا آمالي من يعاينها، نهبط إلى مغاليق الهاوية إذ نرتاح معًا في التراب" [4] .
ولعل اليهود بسبب عدم إيمانهم باليوم الآخر قد اهتموا بأُمور الحياة الدنيا اهتمامًا بلغ حد العبودية، وبسبب عقيدتهم هذه عَرفوا التعصب والتحجر والتقوقع.
ولهذا نجد أن تعامل اليهود مع الآخرين ظل على نسق واحد منذ وجودهم الأول وحتى الآن، تعامل سيء وتعصب وتكبر وعنصرية واضحة، وأي انتصار يُحققه اليهود ومهما كانت أسبابه ونتائجه يعتبرونه نعمة من ربهم (يهوه) ، وأي انكسار لهم يعتبرونه جزاءً على ما فعلوا، فالنعيم حسب عقائدهم نعيم الدنيا، والجحيم كذلك هو جحيم الدنيا، وليس للآخرة أي اعتبار، لأن موت الإنسان يعني فناؤه نهائيًا وتلاشيه في قلب الأرض.
(1) العهد القديم: سفر أيوب، الإصحاح السابع / 9 - 11، ص 799.
(2) المصدر السابق: الإصحاح الرابع عشر / 13 - 21، ص 806.
(3) المصدر السابق: الإصحاح العاشر / 20 - 22، ص 802.
(4) الإصحاح السابع عشر: 11 - 15، ص 808.