وهكذا فإن الإقسام بليالي العشر من رمضان تنبيهًا على فضلها وشرفها، وعظيم النعمة بها، وتذكيرًا للمخاطبين على كثرة بركتها وخيرها، وحثًّا لهم على اغتنام لياليها بالتقرب إلى الله تعالى بما شرع فيها من الطاعات وجليل القربات، فإنها أفضل ليالي السنة على الإطلاق ـ كما أن أيام العشر من ذي الحجة أفضل أيام السنة على الإطلاق ـ، كما هو مذهب جمع من محققي أهل العلم.
الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخص تلك الليالي بمزيد من الاجتهاد ويوليها ما تستحق من العناية؛ إشهارًا لفضلها وحثًّا للأمة على طلب فضائلها وبركاتها، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله، وفي صحيح مسلم رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان ـ تعني: النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها.
وتواتر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف تلك الليالي، فيلازم المسجد، فلا يخرج منه إلا لحاجة الإنسان، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا العشر يقطع الأشغال ويفرغ البال، ويشتغل بصالح الأعمال من صلاة وصدقة وتلاوة للقرآن وجود بأنواع الإحسان والذكر والدعاء استزادة من الخير والهدى. فتفرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - لها واعتكافه فيها من أكبر الأدلة على فضلها وشرفها.