ولقد حذَّر الله تعالى من الإصغاء إلى شبهات أهل الكتاب والمنافقين والمشركين، ورد سبحانه على كل شبهة أثاروها حول الألوهية أو الرسالة أو الشريعة أو الدين أو القدر أو غير ذلك، وأبان وجه الصواب في كل مسألة بأوضح حجة وأصدق برهان، وهذا منه سبحانه رسم للمنهاج الذي ينبغي أن يسلكه أهل العلم والإيمان مع كل مبتدع في أي زمان ومكان.
وحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل الأهواء والبدع، وبيّن صفاتهم وشؤم مقالاتهم، وشهرة النصوص في ذلك تغني عن ذكرها، فإن ذلك مما علم بالضرورة من دين الإسلام.
ولقد قام علماء الأمة وأئمتها من لدن الصحابة والتابعين فمن بعدهم برد مقالات الخوارج والروافض والقدرية والجهمية ومنحرفي المتعبدة والمتزهدة، ومقالاتهم ومصنفاتهم في هذا معلومة مشهورة، كما قام الخلفاء الراشدون ومن بعدهم أمراء المؤمنين وعمالهم في ولاياتهم بالأخذ على أيدي أهل البدع، فناظروهم، وردوا مقالاتهم، وفندوا شبهاتهم، وحكموا على من عاند بما يستحق، فقتلوا وجلدوا وحبسوا ونفوا، كل ذلك لحفظ دين الله تعالى وحرمات عباده.
ولقد جاهد العلماء والأمراء في ذلك جهادًا عظيمًا، وأبلوا بلاءً حسنًا، وكانوا أسوة حسنة لمن بعدهم، فعلى أتباعهم بإحسان أن يحذوا حذوهم ويتأسوا بهم في هذا الشأن، فإنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، فلا ظهور للدين، ولا صلاح لأحوال المسلمين، ولا شهرة للسنة إلا بالرد على أهل الأهواء والبدعة، وكشف تلبيساتهم، وتزييف باطلهم، وإيقافهم عند حدهم ومنعهم من فتنة المسلمين، وهذا من أعظم الجهاد في سبيل الله، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون قال: «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» .