وكانوا رضي الله عنهم أنصح الأمة للأمة وأعظمها إلى الله رغبة، وأشدها له خشية، فما كان من خير فقد سبقوا إليه ونصحوا به، وما كان ضده فقد تركوه وحذروا منه، وكانوا أشد الأمة على أهل البدعة، ولهذا قال قائلهم: كل عبادة لم يتعبدها أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فلا تتعبدوها، وقال الآخر: من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأصدقها ألسنًا، وأقلها تكلفًا، وهم قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، فهم رضي الله عنهم أئمة الأمة وعلماء السنة، فما لم يكن دينًا في زمانهم، فليس بدين أبد الدهر، وما كان من خير فقد سبقوا إليه.
وهذه القاعدة تبين أن الصحابة رضي الله عنهم هم الأسوة في فهم نصوص الوحيين، والقدوة في تطبيق الدين، فما عملوا به فيقتدى بهم فيه، وما تركوه فيتبعون على تركه، وما اختلفوا فيه فيرجح بين أقاويلهم ويؤخذ بأقربها للكتاب والسنة، فإن اتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، وهم أعلم الأمة بالكتاب والسنة وأئمة الأمة في العمل بهما، فما اختُلف فيه هل هو من الدين أم لا؟ فيجب الرجوع فيه إلى المأثور عن الصحابة من القول والفعل والحال والصدور عنهم فيه، ورد كل ما خالفه، وترك كل ما لم يثبت عن الصحابة فعله.