الصفحة 23 من 246

وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الطيرة ـ التشاؤم ـ وأبطلها وزجر عنها وأخبر أنها شرك، فقال - صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة» ، يعني: لا عدوى مؤثرة بنفسها ولا طيرة أصلًا، وإنما هو توهم يجده الشخص في نفسه يلقيه الشيطان على قلبه، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى» نص يتضمن النفي، وهو أبلغ من النهي، ففيه النهي عن الطيرة، فكأنه قال: لا تتطيروا، فإن الطيرة مجرد وهم إذ ليست سببًا في المكروه ولا علامة عليه، وإنما هي وساوس شيطانية.

وفي سنن أبي داود وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك» ، وروى الإمام أحمد وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ردته الطيرة ـ أي: التشاؤم ـ عن حاجته، فقد أشرك» .

وفي هذا الحديث لفتة كريمة لحقيقة الطيرة الشركية ـ وهي التشاؤم ـ وأنها ما رد الشخص عن حاجته، فمتى ترك حاجته متشائمًا، فقد أشرك.

ومثله ما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردّك» ، وقال - صلى الله عليه وسلم: «ولا ترد مسلمًا» ، يعني: الطيرة، وهو نهي أن يرجع المرء عما همّ به بسبب التشاؤم، فإن رجع كان ذلك طعنًا في إسلامه، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من تطير أو تطير له .. الخ» .

وإنما كانت الطيرة شركًا والمتطير مشركًا؛ لأنه بالطيرة تعلق قلبه بغير الله، واعتقد أن ما تشاءم به يتصرف مع الله، وذلك شرك في الربوبية والألوهية، إضافة إلى ما في التشاؤم من سوء الظن بالله تعالى، والاستدلال بالطيرة على شيء من الغيب، وذلك كذب على الله تعالى، إلى غير ذلك من العقائد الفرعونية والخصال الجاهلية الكفرية.

وشرك المتطير ـ المتشائم ـ بسبب اعتقاده فيما عرض له من مكروه مرئي أو مسموع أو معلوم ـ متفاوت في الحكم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت