* وحقيقة ناصعة لا ينبغي أن تغيب عن البال، وهي أن شهر رمضان بما شرع الله فيه من جلائل الطاعات وأنواع القربات بمثابة دورة تدريبية، يتكثف فيها العمل وتتضاعف فيه المثوبة حتى يعتاد المسلم الخير ويتحلى بالاستقامة ويتأهل للحسنى، بحيث يفترض أن يكون العمل الصالح سجية للمسلم؛ لأنه طالما اعتاده وألفه وأحبه، لإيمانه بحسن عاقبته وعظم مثوبته وشؤم مخالفته؛ ولاسيما وهو في كل يوم في اقتراب من أجله وبعد من أمله وأحرى بلقاء ربه، والأعمال بالخواتيم، ومن بورك له في شيء فيلزمه، فإذا كان ما يبنى في شهر يهدم في لحظات، ولا فرق عند الشخص بين مراضي الله ومساخطه، كان ذلك انفصامًا في الشخصية وأمارة سوء السرية والنية، وفسادًا في المقاييس، وانقلابًا في الموازين، وأمارة على الخسران، ومن كان بهذه المثابة، فإنه لا يحسد على حاله فكيف يقر على عمله فضلًا عن أن يُقتدى به.
فاللهم غفرًا وسترًا، واجعلنا من أئمة المتقين لا من الهداة إلى النار يا ستير يا غفار.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خِلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله محمد الذي كان عبدًا شكورًا.
أما بعد:
فمن أفطر يومًا أو أكثر من رمضان ـ لعذر ـ يشرع له القضاء وجوبًا مع القدرة؛ وأن عليه أن يقضي بعدد الأيام التي أفطرها؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184] .
* والمبادرة إلى القضاء بعد رمضان أولى لما في التعجيل من الإسراع ببراءة الذمة والخروج من العهدة، والدلالة على حب الخير، والمسارعة إليه، وقد قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة:184] ، وقال سبحانه: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:61] .