وَيرْدُ عَليهِ أَنَّهُ قالَ في (( الذّخيرة ) ): إذا قال الرجلُ: بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فإن أرادَ بِهِ قِراءةَ القرآنِ، يَتعوذُ قَبلُهُ، لقوله تعالى: { فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } (1) ، وإن أَرادَ افتتاح الكلامِ كما يَقرأ (2) التلميذُ على الأستاذِ، لا يتَعوذُ قَبلَهُ، لأنَّهُ لا يُريدُ بِهِ قِراءةُ القرآنِ ألا يُرى أنَّ رجلًا لو أرادَ أن يَشكُرَ، فَيقولُ: الحمدُ لله ربِّ العالمينَ، لا يَحتاجُ إلا التَّعوذَ قَبلَهُ، وَعَلى هذا الجنب إن أرادَ بذلكَ القِراءةَ لَمْ يَجْز أو افتتاحَ الكلامِ جَازَ. انتهى مُلخصًا.
فَظاهرهُ أَنَّهُ لا يَتعوذُ إلا عند قِراءةِ القرآنِ، ولِذا قال صاحب (( البحر ) ): قَيدَ المصنفِ بقراءةِ القرآنِ للإشارةِ إِلى أنَّ التلميذَ لا يَتعوذُ إذا قَرأ على أُستاذِهِ، كَما نَقَلَهُ في (( الذّخيرة ) )وظاهرهُ أنَّ الاستعاذةَ لَمْ تُشرع إلا عند قراءةِ القرآنِ أو في الصَّلاةِ، وفيه نَظرٌ ظاهرٌ. انتهى.
وَالجوابُ عَنْهُ: أن ما في (( الذخيرة ) )لَيسَ في المشروعيةِ وعَدَمِها، بل في الاستنانِ وعَدَمِه، كَما في (( النهر الفائق ) )، وَيؤيدُهُ قولُ صاحبِ (( الهدايةِ ) )في (( مُختارات النَّوازل ) ): لو أرادَ بالبسملةِ وبقوله الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ ، قِراءة القرآنِ يَحتاجُ إِلى التَّعوُّذِ قَبلَهُ ، ولو أراد افتتاح الكلامِ، أَوْ
الشَّكرِ لا يَحتاجُ. انتهى.
كيفَ لا، وبَعضُهم صَرحَ بالتَّعوِّذِ في ابتداءِ الوضوءِ، وأكثرهم صَرحوا في بَحث خطبةِ الجمعةِ، وقالوا: يَنبغي للخطيبِ أن يَتَعوذَ سِرًَّا عند الشّروعِ في الخُطبةِ، ونظائرهُ كَثيرة لا تَخفَى على ماهرِ الفنِّ .
(1) مِن سورة النحل، آية (98) .
(2) في الأصل: (( يقرء ) ).