وقال الزّيلعيّ في (( نصب الرَّاية ) ): حَملُ الافتتاح بـ { الْحَمْد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، على السورةِ لا الآيةِ، مما تَستَبْعدُهُ القريحةُ وتُمجُّهُ الأفهام الصَّحيحة، لأنَّ هذا مِن العلمِ الظَّاهرُ الذي يَعرفه العامُ والخاصُ كَمَا يَعلمونَ أنَّ الفجرَ رَكعتانِ والظَّهر أربعٌ، فَليس في نَقلٍ مِثلَ هذا فَائدةٌ، فَكيفَ يُظَّنُّ أنَّ أَنسًا قَصدَ تَعريفَهم بهذا ،وإنَّما مِثلُ هذا مُثلُ أن يقولَ، فكانوا يَركعونَ قَبلَ السَّجودِ، أو فَكانوا يَجهرونَ في العشاءِ والفجرِ .
وأَيضًا فلو أُريد بِهِ سُورةَ الحمدِ لَقيلَ كانوا يَفتتحونَ بأمِّ القرآن أو بفاتحةِ الكتابِ أو بسورةِ الحمدِ، هذا هو المعروفُ في تَسمِّيَتُها عِندَهم .
وأمَّا تَسميتها بـ { الْحَمْد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، فلم يُنقل عن رسولِ الله ولا عن أَصحابه ولا عن التابعينَ، ولا عن أحدٍ يُحتجُ بقولِهِ .
وأمَّا تَسميَتُها بالحمد فَعُرْفٌ مُتأخرٌ، يَقولونَ: فُلانٌ قَرأَ سُورةَ الحمدِ وأين هذا مِن قَولَهُ: (( فَكانوا يَستفتَحون بـ { الْحَمْد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ) ) (1) ، فإن هذا لا يَجوز أن يُرادَ بِهِ السَّورةَ إلا بدليلٍ صَحيحٍ .
فإن قيل: فَقَدْ رَوَى الْوَلِيدُ بنُ مسْلِمٍ، عن الْأَوْزَاعِيّ، عن إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي طلحةَ، عن أنسٍ: (( الاستفتاحُ بأمِّ الْقُرْآنِ ) )، وهذا يَدلُّ أنَّهُ أراد السُّورة، قُلنا: هذا مَروي بالمعنَى .
(1) سبق تخريجه (ص98) .