ولا تظنَّن كما ظنَّ بعضُ أفاضل عصرنا في (( إتحاف النبلاء ) )، وغيرُه من مقلّديه وأتباعِهِ أنّ أمثال هذه المدائح من غلوِّ الحنفيّة، فإنَّهم ليسوا متفرّدين بنقلها، بل المحدّثون والمؤرّخون والمعتمدون قد أقرّوا بها.
تشكيك
فإن طعنَ طاعنٌ بأنّ كثرةَ العبادة من إحياء الليل كلِّه، وختم القرآن كلِّه في ليلة، وأداء ألف ركعةٍ ونحو ذلك بدعة، وكلُّ بدعةٍ ضلالة.
تفكيك
قلنا: هذا قول مَن لا فقه له ولا مسكة له، كما حقّقته في رسالتي: (( إقامة الحجّة على أنّ الإكثارَ في التعبّد ليس ببدعة ) ) (1) : من أنّ الاجتهادَ في العبادةِ ليس ببدعة ولا ضلالة، مع أنَّ الاجتهادَ في العبادة المنقولِ عن أبي حنيفةَ قد ثبتَ مثلُه عن كثيرٍ من الصحابةِ والتّابعين والأئمّة المجتهدين والمحدّثين... (2) ، كما لا يخفى على مَن طالع تراجمهم في (( تذكرة الحفاظ ) )و (( مرآة الجنان ) )، وكتاب (( الأنساب ) )، و (( حلية الأولياء ) )، و (( سير النبلاء ) )، فإن كان الإكثار في العبادة مطلقًا بدعة، لزم كون هؤلاء الأكابر من أهل البدعة، ومَن يلتزم ذلك فهو أضلّ الجاهلين وأكبر الفاسقين )) (3) .
تشكيك
(( ذكر في المقصد الثاني من (( إتحافه ) )في ترجمة الإمام أبي حنيفة ما حاصله: إن مقلِّديه سلكوا مسلك المبالغةَ في مناقبه حتى كتبَ بعضُهم إنه صلَّى الصبحَ بوضوءِ العشاء أربعين سنة، وختم القرآن في ركعةٍ وختمَ القرآنَ في موضعِ وفاتهِ سبعةَ الآف ختمة، وصامَ ثلاثين سنة، وحجّ خمسًا وخمسين مرَّة، وهذا كلُّه غلوٌّ قبيحٌ. انتهى.
تفكيك
وهذا شيءٌ عجابٌ يضحكُ عليه أولوا الألباب، وليته سكت عن مثل هذا الذي يشبه الحُباب والسراب، وإن شئت قلت يشبه نعق الغراب، وحديث الكذّاب، وما كيد المنكرين إلا في تَباب وخراب.
(1) إقامة الحجة )) (ص147-153) .
(2) ينظر: (( إقامة الحجة ) ) (ص59-103) .
(3) مقدمة العمدة )) (36-38) .