الصفحة 22 من 165

رابع عشر: لكن أعتى تمرد وأعنفه كان في سنة 216 هـ إبان عهد الخليفة المأمون (( 198 ـ 218 هـ) وكان والي مصر وقتئذ عيسى بن منصور حيث تمرد أقباط الوجه البحري كلهم لدرجة أن الخليفة المأمون بنفسه قدم مصر على رأس جيش فكسر شوكتهم بقيادة قائده الشهير (الأفشين) واستطاع أن يلحق الهزيمة بأهل البشرود أو البشمور (كانوا يقطنون المنطقة الواقعة بين فرعي دمياط ورشيد) وكانت هذه المنطقة تحيط بها المستنقعات والأوحال التي كانت تعيق حركة الجند لذلك كانوا يعلنون عصيانهم كثيرًا نظرًا لطبيعة أرضهم مما كان يضطر الجند للاصراف عنهم لكن هذه المرة لم يهدأ الأشفين إلا أن يقتحم حصونهم ويلحق الهزيمة بهم حتى جاء كبار قساوستهم وأعلنوا ولاءهم لدولة الخلافة مرة أخرى، وقد قبل منهم الخليفة المأمون حسب شروط اتفاقية بابليون الأولى والثانية. ونلاحظ أن الخليفة المأمون أحضر معه بطرك أنطاكية (ديونسيوس) ثم أرسل إلى أقباط البشرود وضواحيها البطرك (أنايوساب) والبطرك (ديونسيوس) ووعدهم ألا يعاقبهم إن هم رجعوا عن عصيانهم لكنهم رفضوا وغرتهم قوتهم وحصونهم ولم يجيبوا البطركين فحاصرهم الخليفة المأمون مع قائده الإفشين حتى هزمهم ثم غادر الخليفة المأمون مصر سنة 217 هـ بعد أن ظل فيها أكثر من أربعين يومًا ثم عاد إلى عاصمة الخلافة بغداد.

وقد ذكر ابن القيم تململ الخليفة المأمون منهم لدرجة أن المسلمين كانوا يتظلمون منهم أو كما قال "قال عمرو بن عبد الله الشيباني: استحضرني المأمون في بعض لياليه ونحن بمصر، فقال لي: قد كثرت سعايات النصارى، وتظلم المسلمون منهم، وخذلوا السلطان في ماله"

وكانت هذه آخر حركة عصيان مسلح قام به الأقباط وخاصة أقباط الوجه البحري ورغم نقضهم لجميع الاتفاقيات المتعلقة بأهل الذمة خلال هذه الفترات التاريخية إلا أن الحكام المسلمين كانوا يعفون عنهم وكان في إمكان هؤلاء الحكام والولاة أن يبيدوهم عن بكرة أبيهم بموجب قانون الحرب وكانت لدى هؤلاء الحجة وهي نقض الأقباط العقود المتعلقة بأهل الذمة، لكنهم للأسف الشديد ظلوا يتربصون بالمسلمين الدوائر خاصة في حالات ضعف الدولة الإسلامية أو في حالات العدوان الذي شنه أعداء الأمة الإسلامية بدأ من الصليبيين الأوائل ومرورًا بالعدوان الفرنسي على مصر (1213 هـ) الموافق (1798 م) وانتهاء بالصليبيين الجدد (احتلال بريطانيا لمصر عام 1882 م) ثم موقف بعض الضباط النصارى والجنود إبان العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 م عندما كانوا يذهبون للجنود الفرنسيين ويقولون لهم نحن مسيحيون مثلكم، وكانت فضيحة بكل المقاييس لذلك غضت الدولة الطرف عنها ولم تسلط عليها أضواء وسائل الإعلام خشية غضبة الأمريكان الذين تدخلوا لمساعدة حكومة ناصر في ذلك الوقت.

النقطة الثانية: عيسى العوام .. رمز الوحدة الوطنية (الهلال والصليب) :لقد اختار النظام المصري في حقبة الستينات قصة شاب اسمه عيسى العوام وزعموا أنه كان نصرانيًا هذا الشاب الذي كان يحارب مع السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي وكان ماهرًا في الغوص والعوم ويتجسس على الصليبيين وينقل الرسائل ويهربها للسلطان صلاح الدين وكانت هذه القصة ضمن المقرر الدراسي لتلاميذ المرحلة الابتدائية ولم يكتفوا بذلك بل شخصت في فيلم (الناصر صلاح الدين) ليؤكدوا على هذه الوحدة الوطنية الموهومة ليثبتوا أن الأقباط شركاء للمسلمين في الوطن (مصر) وأنهم شركاء في مقاومة المحتل (الصليبيين ـ الفرنسيس ـ الإنجليز) ثم ثبت أن أصل القصة مختلق ولا علاقة لعيسى العوام الحقيقي بعيسى العوام (النسخة المعدلة) لعبد الرحمن الشرقاوي وكتبة سيناريو فيلم الناصر صلاح الدين .. وحتى لا يظن ظان أننا نفتري على القوم سنستعين بشاهد عيان ومؤرخ أمين (بهاء الدين بن شداد ت 632 هـ) فقد كان موجودًا في عكا إبان حصار الصليبين لهم في سنة 586 هـ وقد ذكر ذلك بالتفصيل في كتابه الماتع (المحاسن اليوسفية) وهذا نصه:

عيسى العوام الحقيقي كان مسلمًا:

قال ابن شداد: "ومن نوادر هذه الواقعة ومحاسنها أن عوامًا مسلمًا كان يقال له عيسى، وكان يدخل إلى البلد بالكتب والنفقات على وسطه ليلًا، على غرة من العدو. وكان يغوص ويخرج منم الجانب الآخر من مراكب العدو، وكان ذات ليلة شد على وسطه ثلاثة أكياس. فيها ألف دينار وكتب للعسكر، وعام في البحر فجرى عليه من أهلكه، وأبطأ خبره عنا وكانت عادته أنه إذا دخل البلد طار طير عرّفنا بوصوله فأبطأ الطير فاستشعر الناس هلاكه، ولما كان بعد أيام بينما الناس على طرف البحر في البلد وإذا البحر قد قذف إليهم ميتًا غريقًا فافتقدوه فوجدوه عيسى العوام، ووجوا على وسطه الذهب وشمع الكتب وكان الذهب نفقة للمجاهدين، فما رؤي من أدى الأمانة في حال حياته وقد أداها بعد وفاته إلا هذا الرجل ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت