والظاهر أن الخوارج توصلوا إليه من الناحية العملية, فقد رأوا أن في قريش خلفاء لم يتورعوا عن ارتكاب المعاصي والعمل بما يخالف كتاب الله و سنة رسوله. ولهذا فليس من الحق تجديد الأخطاء على هذا النحو. بل يجب اختيار الخليفة الكفؤ الذي يؤمن بالحق والعدل سواء كان عبدًا أو حرًا أو نبطيًا أو قرشيًا. [1]
والحقيقة أن موقف هؤلاء في غاية العجب والغرابة، فهم في اللحظة التي يقولون فيها بعدم الحاجة إلى إمام نجدهم ينصبون الإمام تلو الإمام ويبايعونه ويدعون إلى مبايعته، فقد بايعوا نجدة بن عامر بالإمامة, ومن بعده غيره.
إن ما ذهبت إليه النجدات والمحكمة الأولى وبعض الإباضية يعتبر خروجًا على إجماع عامة الخوارج، الذين يرون ضرورة نصب الإمام.
والواقع أنه لا يشك إنسان عاقل في أن بقاء الأمة من دون إمام يؤدي بالحياة إلى الفوضى والظلم وتشتيت الكلمة وإثارة الفتنة والحروب المدمرة.
فالقول بالاستغناء عن الإمام قول في غاية البعد والسقوط، فنصب الإمام قضية شرعية، والنجدات لم تلتف إلى هذا الأمر، بل التفتوا إلى العقل وأعملوه في هذه المسألة، والعقل لا يمنع من وجهة نظر أن يتناصف الناس فيما بينهم إذا وجدت الألفة والمحبة، وهذا أقرب للخيال.
والنجدات يريدون بزعمهم هذا أن ينشأ مجتمع مثالي يعرف فيه كل واحد واجبه تجاه مجتمعه، فيقف عند حقه، تحجزه أخلاقه عن ارتكاب أي ضرر بالغير، كل شخص قد جعل القرآن إمامه وحاكمه يعرف فيه واجبه نحو الغير، ولعل هذا بعض ما يمكن أن يتعلل به القائلون من النجدات وغيرهم بالاستغناء عن نصب الإمام.
(1) . فرقة الأزارقة - محمد الدجيلي - ص 76.