وعلى كل ليس الكلام في هذا الموضوع مجال بحثنا، فلنترك الكلام فيه لمناسبة أخرى، وإنما ذكرناه لارتباطه بموضوع مسألتنا، إذ أننا وقعنا في مشكلة بسبب هذا الحال، فكثير من الباحثين العصريين عندما تحدثوا عن مسألة وقوع الطلاق الثلاث في وقت واحد أنكروها بمخالفتها لتصور عقولهم ولمصلحة الأسر ولقول ابن تيمية ومتابعة ابن القيم له على عادته، وموافقة الشوكاني والصنعاني لهم في ذلك، واعتمدوا على ما ذكروه في كتبهم لا سيما الأخيران في (( نيل الأوطار ) )و (( سبل السلام ) )من عرض للدلائل التي توافق ما ذهبوا إليه وتضعيف ما قال به الجمهور (1) .
فرأيت حفاظًا على الشرع العظيم وصونًا لأحكام هذا الدين أن أجمع فيها رسالة شافية حاوية للدلائل، ناقضة للأوهام، أذكر فيها أدلة الأئمة من القرآن والسنة والآثار عن الصحابة والتابعين والإجماع والقياس التي نافت على المئة دليل، ثم أعرض لما قال المخالف من نسبة هذا القول إلى الكبار وعدم صحة ذلك بالحجة والبرهان، وما توهموا من دلالة القرآن، وعدم موافقة أهل التفسير وغيرهم لهم في ذلك، وما احتجوا به من الأحاديث التي تقوم حجّة عليهم لا لهم، ثم ختمت الكلام فيه عن المصلحة ومتى يجوز لنا الأخذ بها.
وكل ذلك لتكون أدلة هذه المسألة متيسرة للباحثين وأهل الزمان في الاطلاع عليها؛ لتعود الحق إلى نصابه،والأحكام إلى مكانها.
وسميتها:
(( مئة دليل ودليل على وقوع الطلاق الثلاث ثلاثًا بالدليل ) ).
ولقبتها بـ:
(( الطلاق لمن يوقع الطلاق ثلاثًا ) )
(1) ذكر في المسألة رأيين آخرين، وهما: أنه لا يقع مطلقًا، وأنه يقع الثلاث واحدة قبل الدخول لا بعده، ولكن لتردد من نسب إليهم القول بهما بين أن أكثر من قول والخلاف في نسبة ذلك لهما كما سيظهر لك من هذا البحث، وعدم نهوض من ينافح عن أحدهما كما ينبغي رأيت ترك نقاشهما.