والحكمة دليل على رُقي قائلها وتفكيره وتأمله في قضايا الناس والحياة، وهي ثمرة تجارب طويلة، وفطنة ونظر ثاقب، وبصيرة نافذة بالناس، وأخلاقهم، والماضيين ومصائرهم، وتأمل في سعي الإنسان وغايته، ونهايته، ثم إحساس دقيق بالحياة [1] .
وقد اشتهر بالحكمة عدد كبير، منهم قس بن ساعدة، وقصي بن كلاب، ولبيد بن ربيعة، وزهير بن أبي سلمى وطرفة بن العبد، وحاتم الطائي، وغيرهم كثير على مراحل الحياة قبل الإسلام وبعده.
والملاحظ أن الحكمة تُلخّص تجربة الشاعر ونظرته إلى الحياة والناس، وقد جاءت بعامتها في أسلوب واضح سهل بعيد عن الغريب والتكلف، وقد تغلب على الحكمة مسحة من الحزن والعاطفة التي يشيع فيها الألم والحسرة والتشاؤم، وذلك لارتباط الحكمة بالرثاء من ناحية، وللتفكير بمصير الناس والموت والفناء من ناحية ثانية، ويتضح فيها أثر السن وخبرة الأيام، ففيها تجارب ذاتية، وفي بعضها وعظ وإرشاد ونصح وهداية [2] .
وأغلب الحكمة تكون مبثوثة في ثنايا القصيدة، وأغلبها يأتي حين الحديث عن الرثاء، أو بعد الصحوة من شرب الخمر.
وشاعرنا عبد الرحمن بارود من الشعراء الذين امتلأت قصائدهم بالحكمة، فهو لا يحرم السامع أو القارئ من حكمته وتجربته، وعلمه ونضجه.
فنراه يقول في قصيدة بعنوان"الحنين إلى الأصدقاء" [3] :
مَنْ كان يخلص في الصداقة و الوفا ... شوقًا تُهدد ركنه الأسقام
لكن من عَهِدَ الصداقة لعبة ... لهوًا فليس له لذاك ملام
هذا الزمان تجارب بين الملأ ... و مسرح لتُمثل الأفلام
كل يُمثل فصله يا صحبتي ... إني مشوق أيها الأعلام
ومن قصيدة بعنوان"المارد"تظهر حكمة الشاعر واضحة، يتألم من خلال هذه الأبيات على حال الأمة وما لحق بها فتراه يشدو ويقول [4] :
خيم الليل فيا للَّه أحلامي و يأسي
(1) أنظر؛ يحيى الجبوري: الشعر الجاهلي، ص 220.
(2) أنظر؛ يحيى الجبوري: الشعر الجاهلي، ص 220.
(3) الأعمال الكاملة: عبد الرحمن بارود، ص71.
(4) المصدر السابق: ص83.