هناك يطيب لكم في الجحور العناق
جواسيس حتى تقوم القيامة
فأنتم رحلتم إلى حيث ألقت
وخلفتموهم لدنيا .. قُمامة
لقد كان شاعرنا جادًا للغاية في مواجهة الأعداء، ومع كل قسوته و غلظته معهم إلا أننا نجد الألفاظ التي يستعملها بعيدة كل البعد عن الإسفاف، والسوقية، وألفاظه غاية في الفصاحة، وذات دلالات بليغة.
المطلب الخامس
الوصف
هو من الفنون البارزة التي برع فيها الشعراء من عصر الجاهلية مرورًا بكل العصور التي تلت حتى عصرنا الحاضر، نظروا إلى الطبيعة ودققوا النظر، فوصفوا كل ما وقعت عليه أعينهم، وصفوا الطبيعة ممثلة في حيوانها ورياضها ونباتها وأطلالها وديارها، وصفوا السحب والمطر والبرق والنور والظلمة، فكانت أشعارهم لوحة جميلة ناطقة.
وكان الحيوان أقرب شيء للشاعر، لهذا كان حظه من الوصف أكثر من غيره، فالناقة والخيل، نالت الحظ الأوفر من الوصف، ومجالس الخمر والشرب واللهو وما فيها من قيان ورقص وغناء، نادرًا ما نجد شاعرًا إلا وتحدث عنها ووصفها [1] .
وشاعرنا عبد الرحمن بارود، من الشعراء الذين أجادوا فن الوصف، فقصائده تقريبًا نجد الوصف فيها مبثوثًا بين ثنايا القصيدة، إلا أنه أفرد قصيدة كاملة لهذا اللون، وعنوانها"وغدا يعود الربيع" [2] يقول فيها:
لاحت غيوم الخريف مقبلة ... تجر أحمالها على الأفق
و حاليات الأشجار موحشة ... تُرعش أغصانها من الفَرق
و هبت الريح ذات خشخشة ... و طار في الجو ساقط الورق
و في الفضاء البعيد سرب القطا ... مسافر في مجاهل الشفق
غدًا يعود الربيع يا إخوتي ... عودة نهر الضياء في الفلق
و البحر صافٍ تريك آياته ... روائع الاخضرار و الزرق
و بحر قمح من ألف بحر لنا ... من ذهب في البطاح مؤتلق
أفدي قلوبًا ربيعها دائم ... من أفق ترتقي إلى أفق
أحلى ربيع في الأرض قلب امرئ ... من ظلمات الصلصال منعتق
(1) أنظر؛ يحيى الجبوري: الشعر الجاهلي، ص203.
(2) الأعمال الكاملة: عبد الرحمن بارود، ص125.