عرف كيف يستغل العلم و المنصب و المال و العلاقات، لخدمة الفكرة التي يؤمن بها، و الوطن الذي هُجّر منه قصرًا، خدم المقاومة من اللحظة الأولى دون أن يعرف أو يشعر بذلك الناس من العامة، فكان على علاقة طيبة بقيادات الرعيل الأول في التنظيمات المقاومة (العاصفة، ثم فيما بعد فتح) .
كان همه الأمة، الأمة بأسرها من شرقها لغربها، و من شمالها لجنوبها، فهي لا تغيب من قصائده، و لهذا نجده يُخاطب هذه الأمة في قصيدة غاية في الروعة، مستذكرًا أمجاد الماضي، مستنهضًا الهمم للنهوض من جديد.
نقرأ له في قصيدته"أمتي" [1] :
آه هل تذكرين من كنتِ أمس ... و قرونًا مرت كليلةِ عُرس
إذ جثا الكون كلّه و أبو القاسم ... يلقي في الدهر أبلغ درس
أتغابى ولا أُصدّق عيني ... زغزغ النائبات حسّي وحدسي
موطني حيثما بدت طلعة الشمس ... وجنس التوحيد في الأرض جنسي
دنّست حرمة العرين قرود ... ولدتها المعيز في زيّ إنس
فالذي لا يُباح صار مباحًا ... و الذي لا يباع بيع ببخس
منك أبكي حينًا و أبكيك حينًا ... و بناريْك حَرّقَ الدهر نفسي
من يُضيع يَضِع لك الويل ... أصبحتِ رمادًا وكنت أعظم شمسٍ
بين يومي المزري وأمسي قتال ... طاحن أو يعود يومي كأمسي
و شفاء الغليل جيل فريد ... طهَّرته الأقدار من كل رجسِ
يحرث الأرض من جديد و يُحيي ... كل شبر فيها .. بأطيب غرسِ
ثم نراه تأخذه الحمية لما يحدث للمسلمين في شرق أوروبا (سرييفو) ، هذا الشعب المسلم الموحد، الذي تكالبت عليه كلاب الصليب، تنهش من لحوم هذا الشعب الوديع، ابن أمجاد الماضي العظيم، و الذي وقع بين أنياب الشيوعية و الصليبية الحاقدة، هذا الشعب الذي يتعرض لعملية إبادة جماعية و على مسمع و بصر العالم الحر الديمقراطي!. هذه المعلقة المعبرة، والتي تفوح ألمًا وحسرة، والتي تفضح أكاذيب الغرب عن الديمقراطية وعن حقوق الإنسان، وحرية الفكر والمعتقد.
(1) الأعمال الكاملة: ص146.