هذا الشاعر الذي آثر أن يغيب عن المشهد المعلن، وأن يعمل في الظل بصمت، وأن يكتب شعره ليتغنى به في لقاءاته التي لا تنقطع في ديوانيته بمدينة جدة على ساحل البحر الأحمر، يؤنس به العاملين ويقطع به ملالة اللقاءات الطويلة في اجتماعاته على امتداد أقطار الدنيا مع رفاقه، ولا ينفك إخوانه يتحدثون عن شروحاته الضافية على شعره الجزل الفخم الألفاظ، مما لا يعرفه معظم أهل زماننا مما كان يقطع به غناءه لشعره.
يتحدثون عنه أنه الشاب السبعيني، المتواضع الكريم، الذي تسبقه بشاشته وابتسامته، المحب للمجاهدين في أرض فلسطين، والذي يتتبع أخبارهم وقصصهم بتفصيلاتها.
يتحدثون عنه فيرون فيه الرجل الذي يتسع عقله و قلبه للآراء المتعددة والاختلافات و التباينات، ويُعطي الفرص لأصحاب المقالات المتشابكة ليأخذوا حظهم في إبداء الرأي وتقليبه، حتى لو جنحوا أو مالوا على ثبات فيه وأصالة وحسن نظر.
كان رحمه الله من الذين يُظهرون للآخر الاحترام، مع وجود الاختلاف في الآراء و الأفكار.
رحم الله شاعر الإسلام و العروبة، في فلسطين عبد الرحمن بارود، فقد قضى نحبه وكان ما زال يحلم بقريته بيت دراس، ويستعيد ذكرياتها، ويستحضرها كأنه يعيد رسم مشاهدها من جديد [1]
لم يكن شاعرنا عبد الرحمن بارود حبيس إقليمه الصغير (فلسطين) ، ولا حبيس وطنه الكبير (الوطن العربي) ، بل كان إنسان (بمعنى كلمة إنسان) ، عالمي الفكرة والرؤية والتطلع، يهمه أمر المسلمين في كل مكان، من فلسطين إلى الشيشان إلى أفغانستان وسرييفو، يحرص على التعرف على شأن المسلمين والتحدث عنهم ونقل همومهم، ويعمل ثانيًا ليل نهار، على دعوة الناس لهذا الدين، دون تحديد جنس أو مكان.
(1) السبيل: الأردن - 20/ 4/2010م.