وأول ذلك أنه ضعيف العقل جاهلٌ ولا عيب أشد من هذين؛ لأن العاقل هو من ميز عيوب نفسه؛ فغالبها وسعى في قمعها.
والأحمق هو الذي يَجهل عيوب نفسه: إما لقلة علمه وتمييزه، وضعف فكْرته، وإما لأنه يقدِّرُ أن عيوبه خصالٌ، وهذا أشدُّ عيبٍ في الأرض؛ وفي الناس كثير يَفْخرون بالزنا واللياطة والسرقة والظلم، فيُعْجَبُ بتأتّي هذه النحوس له، وبقوَّته على هذه المخازي!!" [1] ."
وقال أيضًا:"واعلمْ يقينًا أنه لا يَسْلم إنسيٌّ مِنْ نقص، حاشا الأنبياء -صلوات الله عليهم-. فمن خفيتْ عليه عيوب نفسه فقد سقط، وصار من السُّخف والضعة والرذالة والخسة وضعف التمييز والعقل وقلة الفهم، بحيث لا يتخلف عنه متخلف من الأرذال، وبحيث ليس تحته منزلة من الدناءة، فليتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه، والاشتغال بذلك عن الإعجاب بها وعن عيوب غيره التي لا تضره لا في الدنيا ولا في الآخرة."
وما أدري لسماع عيوب الناس خصلة إلا الاتعاظ بما يسمع المرء منها، فيجتنبها ويسعى في إزالة ما فيه منها بحول الله تعالى وقوته.
وأما النطق بعيوب الناس فعيب كبير، لا يسوغ أصلًا، والواجب اجتنابه، إلا في نصيحة من يتوقع عليه الأذى بمداخلة المعيب، أو على سبيل تبكيت المعجَب فقط في وجهه لا خلْف ظهره، ثم يقول للمعجَبِ: ارجع إلى نفسك، فإذا ميزت عيوبها فقد داويت عجبك، ولا تُمَثِّل بين نفسك وبين من هو أكثر عيوبًا منها فتستسهل الرذائل وتكون مقلدًا لأهل الشر، وقد ذُمَّ تقليد أهل الخير، فكيف تقليد أهل الشر؟! ولكن مثّل بين نفسك وبين من هو أفضل منك، فحينئذ يتلفُ عُجْبك، وتفيق من هذا الداء القبيح
(1) الأخلاق والسير [ج6 ص6] .