حكمة التشريع ومصلحة التطبيق وصيانة الحقوق من نظرية فقهائنا في
الاجتهاد الحنفي، فإنّ اعتبار المنافع غير ذات قيمة في نفسها ليس عليه
دليل واضج قوي من أدلة الشريعة لا من نصوصها ولا من أصولها. . .
على أنَ المتأخّرين من فقهاء الحنفية لحظوا سيئات النتائج وإضاعة
الحق الذي تؤدي إليها نظرية عدم ضمان منافع المغصوب، فقصروا من
أذيالها، وضيّقوا من دائرة شمولها، فاستثنوا مال اليتيم، ومال الوقف،
والأموال المعذَة للاستغلال، وأوجبوا في كلّ ذلك على غاصبه التزام
ضمان أجر المثل قيمة للمنافع (المجلة / 596) .
وليت أن جمعية المجلة، بما منحته من صلاحية الاختيار المعتبرة
شرعًا، أخذت في هذا الموضوع بنظرية الاجتهاد الشافعي والحنبلي،
فعمَّمت ضمان المنافع، واعتبرتها أموالًا مقومة بذاتها في سائر الأحوال
رعاية لمصلحة المجتمع، وزجرًا عن العدوان الذي أصبج معظم الناس لا
يتحامونه لمجرَّد حرمته إذا لم يقترن بالمسؤوليات المدنية.
وكم من نظرٍ أو حكمٍ اجتهادي قد كان يمكن قبوله لمَّا كان الدِّينُ
غضًّا في النفوس، يثمر التقوى فيها، وكان الورع حاجزأ لها، ثم تبدَّل
وجه النظر والحكم لمَّا فشا الفساد، وسادت الأطماع، وأصبح الأمرُ
محتاجًا إلى وازع من التبعات المادية والسلطان لمَّا ضعف وازع
الإيمان" (1) ."
2 -ومن مزاياه الفقهية أيضًا أنه لا يترك النص الفقهي المجمل دون
توضيح أو تعليق، وهناك نماذج كثيرة يبرز فيها هذا الجانب، منها مثلًا أنَّه
(1) المدخل إلى نظرية الالتزام العامة، ص 17 2 - 18 2.