"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين" [ البقرة: 251] .
"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا" [ الحج: 40] .
وهذا المعنى هو الذي عبَّر عنه علماء الاجتماع بالانتخاب الطبيعي أو بقاء الأمثل وذلك بإشارة الآيتين الكريمتين إلى أنَّ ما فطر عليه الناس من مدافعة بعضهم بعضًا عن الحق والمصلحة هو المانع من فساد الأرض . أي أنه سبب بقاء الحق وبقاء الصلاح . مما يدل على أن مظهر التدافع والتنازع من أجل البقاء والدفاع عن الحق يقتضي في مآله بقاء الأمثل وحفظ الأمثل . (16) .
الثانية: مسألة الصراع كحتمية اجتماعية تنفي وجود ( ثابت ) في الكون وفق المنطق الهيجلي ، ومن بعده الماركسي في الفكر والتاريخ والاجتماع ، أو الدارويني في العلوم الطبيعية ، والنظريات الحديثة لصموائيل هنتنجتون في صراع الحضارات ، وفرانسيس فوكوياما في نهاية التاريخ . وبعيدًا عن أسباب ذلك المنطق وملابساته الأوربية المسيحية الخالصة ؛ فإن التدافع وفق المنطق الإسلامي لا يعني سوى التعدد والذي يحفظ التوازن للفرقاء المتباينين ، كحركة اجتماعية لا تقضي بنفي الآخر أو استئصاله ، بل تعمل على تحويل مواقع الفرقاء في إطار التعدّدية ليس أكثر (17) .
ومما يدلِّل على هذا المعنى ويعضده بقوّة ما يلي:
إن المجتمع الإسلامي في عصوره الزاهية في صدر الإسلام وبعده تعايش مع غير المسلمين من أهل الكتاب ، وعدَّهم أهل ذمة لهم ما لنا وعليهم ما علينا (1)