فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 764

وحين زعم غلاة اليهود والنصارى أن الجنة حكر عليهم وحدهم ردَّ الله عليهم بقوله-جل وعلا -:

"وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" [ البقرة: 111-112] .

وأعقب ذلك بأن أبان أن كل زعم يحوي احتكار الحق المطلق، ويصم الآخرين بالباطل المحض؛ إن هو إلا شنشنة جهلة المشركين ومن على شاكلتهم ، وذلك وحده دليل بطلان دعوى احتكار الجنة إذ اختلافهم تضادّي لا لقاء معه:

"وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون" [ البقرة: 113] .

وفي موطن آخر يبين الله - تعالى - أن اللعنة التي حاقت باليهود الذين وصفوا يد الله -سبحانه- بالغلول إنما كانت بسبب مقولتهم تلك ، لا لأي اعتبار غير سلوكي:

"وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدنّ كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا……" [المائدة:64] .

ويلفت نظر الباحث في حديث القرآن الكريم عن الآخر التزام الموضوعية بدقة متناهية، حيث يلحظ عدم التعميم، والتشديد على التخصيص بذكر ألفاظ (كثير) أو (مِنْ ) أو ( فريق) أو (طائفة) أو نحو ذلك مما يفيد عدم استغراق جميع أفراد جنسهم . وهذا التحديد والتخصيص لم يأت عفوًا إذ لو كان الآخر غير ذي دلالة لاكتفى بالتعميم والإطلاق من قبيل القاعدة الأصولية الصحيحة"النادر لا حكم له"، ولكن لما كان لذلك مدلوله كان التأكيد بتلك الألفاظ مسوَّغًا شرعًا وواقعًا. وعلى سبيل المثال تأمل قوله - سبحانه -:

"ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم ……" [ البقرة: 109] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت