فهرس الكتاب

الصفحة 438 من 485

وقد علمنا أن النشأة الأولى أوجدها الله تعالى على غير مثال سبق، فهكذا النشأة الآخرة يوجدها الله تعالى على غير مثال سبق مع كونها محسوسة بلا شك، وقد ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صفة نشأة أهل الجنة والنار ما يخالف ما هي عليه هذه النشأة الدنيا، فعلمنا أن ذلك راجع إلى عدم مثال سابق ينشؤها عليه وهو أعظم في القدرة، وأما قوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27] . فلا يقدح فيما قلنا، فإنه لو كانت النشأة الأولى عن إختراع فكر وتدّبر ونظر إلى أن خلق أمرًا فكانت إعادته إلى أن يخلق خلقًا آخر مما يقارب ذلك ويزيد عليه أقرب للاختراع والاستحضار في حق من يستفيد الأمور بفكره والله منزّه عن ذلك ومتعال عنه علوًا كبيرًا فهو الذي يفيد العالم ولا يستفيد، ولا يتجدد له علم بشيء، بل هو عالم بتفصيل مالا يتناهى بعلم كلي فعلم التفصيل في عين الإجمال) [1] .

إلى أن بين الشيخ أن هذه النشأة تكون على عجب الذَنَبْ مع إختلاف العلماء بالمقصود منه (وهكذا ينبغي لجلاله أن يكون فينشأ الله النشأة الآخرة على عجب الذَّنَب الذي يبقى من هذه النشأة الدنيا وهو أصلها، فعليه تُركب النشأة الآخرة فأما أبو حامد فرأى أن العجبَ المذكور في الخبر أنّه النفس وعليها تُنشأ النشأة الآخرة وقال غيره، هو جوهر فرد يبقى من هذه النشأة الدنيا لا يتغير عليه تنشأ النشأة الأخرى، وكل ذلك محتمل ولا يقدح في شيء من الأصول، بل كلها توجيهات معقولة يحتمل كل توجيه منها أن يكون مقصودًا، والذي وقع لي به الكشف الذي لا أشك فيه أن المراد بعجب الذَنَب: هو ما تقوم عليه النشأة وهو لا يبلى أي لا يقبل البلى، فإذا أنشأ الله النشأة الآخرة وسوّاها وعدلها، وأن كانت هي الجواهر بأعيانها فإن الذوات الخارجة

(1) الفتوحات المكية: 1/ 471.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت