فقد قال هؤلاء إن الإيمان اسم للتصديق ويعنون به تصديق النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما علم مجيئه به أي الضرورة أي فيما أشتهر كونه من الدين بحيث يعلمه على أحد من غير أن يستبدل عليه ومن غير نظر و تأمل في الدلالة كوجود الصانع و وحدانيته و حرمة الزنا والخمر ونحو ذلك ويكفي الإجمال فيما يلاحظ إجمالا ويشترط التفصيل فيما يلاحظ تفصيلا ً. فلو أن إنسانا ً أخبر عن وجوب الصلاة فلم يصدق وأخبر عن حرمة الخمر ولم يصدق كان كافرا ً وهذا هو المشهور وعليه الجمهور من الاشاعرة. [1]
فالتصديق: عبارة عن ربط القلب على ما علم من أخبار المخبر وهو أمر كسبي ثبت باختيار المصدق ولهذا يؤمر به ويثاب عليه بل يجعل رأس العبادات بخلاف المعرفة فإنها ربما تحصل بلا كسب كمن وقع بصره على جسم فحصل له معرفة أنه جدار أو حجر. والإيمان الشرعي يجب أن يكون من الأول فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ادعى النبوة وأظهر المعجزة فوقع صدقه في قلب أحد، ضرورة من غير أن ينسب إليه اختيار لا يقال له في اللغة صدقه فلا يكون إيمانا ً شرعيا ً كذا في شرح المقاصد.
وقال السيالكوني: وفيه بحث فإن من حصل له تصديق بلا اختيار إذا ألتزم العمل بموجبه يكون إيمانا ً اتفاقا ً، ولو صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنظر في معجزاته اختيارا ً ولم يلتزم عمل بموجبه بل عانده فهو كافر اتفاقا ً، فعلم أن المعتبر في الإيمان الشرعي هو اختيار في التزام التصديق لا في نفسه. وهذا التسليم الذي اعتبره بعض الفضلاء أمرا ً زائدا ً على التصديق فليتأمل. [2]
(1) - ينظر: شرح المقاصد: 3/ 420.
(2) - ينظر: حاشية السيالكوني على شرح المواقف، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/1، 1998م: 4/ 352 مطبوع مع المواقف.