يقول الدكتور سليمان البيرة: القرآن الكريم يُذّكر الإنسان بتلك الرحلة التي قطعها منذ أن كان نطفة في رحم أمه، إلى أن صار رضيعًا مدة عامين، ويُذّكره أن تلك الرحلة لم تتم في الفراغ، ولم تتم كذلك بين يوم وليلة، ولكن كان وراءها تضحيات ودموع، وآمال وآلام، وجهد وتحمل، ومعاناة وفرح وحزن، وترقب , وأن الأم قامت في ذلك كله بالدور الأكبر، فهي التي كابدت مشاق الحمل البالغة وتحملت آلامه، وأتعابه في شهور تسعة معدودة بأيامها ولياليها، وصباحها ومسائها، وساعاتها ودقائقها، وثوانيها بما فيها من حر وبرد وشدة وسعة وظمأ وري وجوع وشبع وحزن وفرح، في عافية أو مرض، كما كابدت الأم مرحلة الوضع بكل ما فيها من آلام مبرحة لا يعلم شدتها إلا الله سبحانه، ولكن تلك الآلام تهون في ساحات الأمومة الحنون الرءوف، والأم ُتمني النفس بوليد يخرج إلى الوجود بإذن الله سالمًا وإن أصيبت هي في سبيله، وإن تحرك مشرط الطبيب في عملية قيصرية ليخرج وليدها سليمًا معافى، فهي بذلك راضية فرحة، ناسية لكل ما عانته من آلام الحمل والوضع، وغاية ما تتمناه وهي تعاني ذلك أن ترى وليدها يرقد بجوارها سليمًا قرير العين، فتلك اللحظة تنسيها كل الآلام والأتعاب.
إن القرآن الكريم يثير هذه الذكريات وتلك الشجون في نفس الإنسان ليذكرها جيدًا ويعيها في بؤرة ذاكرته فلا ينساها، فيذكر بذلك فضل والدته وما تحملت في سبيله، ويذكر جهد الوالد في الحماية والرعاية، والسعي المتواصل لتوفير السكن، والغذاء والكساء والعلاج، فيتذكر فضل الوالدين، وما قاسا في سبيله من مشاق ومصاعب، فيستقيم في تعامله مع والديه وفق ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه السلام، تعاملًا يدل على كرم نفسه وعلو همته، وسمو عواطفه، ونبل مشاعره، فما أكرم والديه إلا كريم، وما أهانهما إلا خبيث لئيم.