فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 352

إن في غزوة بدر لخير عبرة للضعفاء أمثالنا ممن يهولهم ضعفهم المادي فتجتاح عواصف اليأس كل ما ينعش نفوسهم من آمال وينزوون في عقر ديارهم وبنطوون على أنفسهم وينفضون أيديهم من دنياهم، وهذا من مداخل الشيطان الخفية على النفوس الغبية إذ سول لهم أن من كان في مثل حالهم يستحيل عليهم تحطيم أغلالهم وبلوغ آمالهم، فينامون على الضيم ويستسلمون للعبودية الخالدة ويخلصون لمستعبديهم لقمة سائغة وغنيمة باردة، وما أصدق مصطفى لطفي المنفلوطي إذ يقول: اليأس هو الخديعة الكبرى التي يدسها الشيطان دائما في نفوس الأمم الضعيفة التي يريد الفتك بها والقضاء عليها. وما أحكم التربية القرآنية للنفوس إذ تحرم اليأس تحريمها للكفر في قوله تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} .

وإن في غزوة بدر لمحوا لليأس وإبادة لجراثيمه من النفس فهي تقيم لنا الدليل على أن القوة المعتبرة هي القوة المعنوية من إيمان بالله وثقة بالنفس وثبات في مواطن اليأس وقوة أمل في المستقبل، أما الكثرة في العدد بلا قوة في الروح فلم تكن في يوم من الأيام بمفيده ولا مؤثرة في ساحات الوغى ومصائر الحروب، والمسلمون في غزواتهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين- لم يكونوا ولا مرة واحدة- أكثر من أعدائهم ولا أغنى عتادا ومع ذلك فالنصر دائما حليفهم، ولقد أرى الله المسلمين في يوم حنين رأي العين أن الاعتداد بالكثرة وحدها لا يفيد بل هو من أسباب الهزيمة وذلك إذ يقول الله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} . وإذن فلنستفد من غزوة بدر هذا الدرس القيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت