هذا الكتاب دراسة منهجية جادة لظاهرة كبيرة في حضارتنا الإسلامية بعامة، في عاصمتها الأولى - المدينة المنورة - بخاصة هي ظاهرة الوقف التعليمي: الذي رعى العلم والعلماء على امتداد العصور الماضية، وهيأ لها أسباب النمو والعطاء.
ففي وقت مبكر من نشأة الحضارة الإسلامية تنبه بعض الميسورين والمحسنين إلى أهمية نشر العلم وتيسيره لطلابه، وضرورة توفير الظروف المعيشية المناسبة للعلماء كي يتفرغوا لعلمهم وطلابهم، فخصصوا قدرًا من أموالهم للإنفاق في هذا السبيل، وأنشأوا المدارس، واجتهدوا في توفير احتياجاتها، وضمان استمرارها من بعدهم، فاشتروا لها البيوت والدكاكين والبساتين، وأوقفوها حبسًا مؤبدًا عليها وعلى حلقات في المساجد تدرس علومًا معينة ومذاهب محددة، وكان لهذا الوقف أثر كبير في نمو الحركة العلمية ومقاومتها لكل عوامل الضعف والانحدار، حتى إنها سارت في خط معاكس تمامًا للتيار السياسي، ففي الوقت الذي كان الحياة السياسية تشهد تمزقات وصراعات كثيرة، كانت الحياة العلمية تتواصل عطاءاتها، وظهر في القرون التي يسميها المؤرخون عصور الدول المتتابعة، ويتهمها بعضهم بالانحدار والانحطاط، علماء كتبوا مؤلفات عظيمة في سائر العلوم الإنسانية؛ من التفسير والحديث، إلى الطب والفلك، وكان للوقف على المدارس والأربطة والزوايا وطلاب العلم أثر كبير في ذلك.
وهذا البحث يقدم صورة صادقة لمقولتنا تلك، فقد طوفت كاتبته على القرون في استعراض تاريخي لتطور الوقف، ووقفت طويلًا عند فترة اتهمت ظلمًا بأنها أحلك الفترات، فترة العهد العثماني، وعرضت بتأن للمدارس والحلقات والمكتبات والعلوم التي أوقفت عليها الأوقاف في هذا العهد، فأقرت في نفوسنا صورة صحيحة لهذه الظاهرة الحضارية الإسلامية، لهذا العهد المظلوم.